من العوائق التي تقف في وجه كلّ فكرة تهدف إلى مزيد من السلام والتقبّل أنها قد ترجع إلى أسس قطعية، أو أنها ستؤدي حتمًا إلى الوقوع في قطعيات أشدّ، وذلك هو قدَر الفكر الإنساني والطبيعة البشرية معًا.

هب أننا أزمعنا معًا أن نقضي مثلًا على تسيّد الاتجاه الواحد، أو الفكرة الواحدة، وعقدنا لذلك ندوات وجلسَات، وأقمنا دورات تدريبية على مهارات التحاور، ثم طبّقنا ذلك عمليًا بنشاطاتنا في المجتمع، ثم جمعنا أذكى عقولنا وأصفى نفوسنا وأقوى أجسادنا في صعيد واحد، ثم خلصنا إلى ميثاق نتفق فيه على نبذ الاتجاه الواحد أو الفكرة الواحدة، ألن يكون ذلك الميثاق شيئًا واحدًا جديدًا وبديلًا واحدًا جديدًا قد أجمعنا عليه واتحدنا عليه ونبذنا ما سواه؟

إن ذلك حتمًا سوف يقودنا إلى جمع عدد من الأفكار في وِحدةٍ، تحت أيّ شعار من الشعارات، ولأمها في إطار جامع، كما تجمع الذرة البروتونات والنيوترونات والإلكترونات في تكوينها، ولنفترض أننا وجدنا «رابعًا مرفوعًا» يمكن إدراجه مع هذه المكوّنات الثلاثة، ثم أدخلنا على الأربعة «خامسًا»، فكان ماذا؟ إنه سيندمج في هذه الوحدة؛ وهذا يعني أننا مهما تطلّعنا إلى التخلص من الفكرة الواحدة وتقبُّل كثرة من الأفكار، فإن ذلك سوف يفضي في المآل إلى أن نحصرها في وحدة ما، قد يوجد فيها مكوّن متعادل يخفف من خطر تفانيها أو اصطراعها، لكنها في النهاية تغدو وحدة مغلقة، ومهما فتحناها لإدخال مكوّن جديد فإنا سنغلقها علينا وعليه بعد ذلك، بلا ريب.

إن الإنسان ينزع إلى التعميم، وحصر الأشياء المتعددة بحيز ما، ولو كان أغلبيًّا، ولو كانت له استثناءات، بل إنه يميل إلى أن يتصور أن العدد المكوّن من آحاد كثيرة جدًا، عدًّا ورسمًا ولفظًا، (مثل العدد 999)، شيء واحد، ويريحه أن يعامله كذلك؛ ومن هُنا فإن السعي إلى مقاومة هذه الغاية الاضطرارية فينا قد يكون جُهدًا طوباويًا مُضنِيًا لا طائل من ورائه.

ثم إن الوحدة البشرية نفسها مصيرها أن تضيق ذرعًا بذاتها أو بكمّها أو بظرفها، ثم تتفرّع وتتكاثر، وتتنافر وتتدابر، وقد تستحيل إلى شيء آخر جديد إذا بلغت حدها الأقصى من التجزؤ، ثم بعد ذلك تعود الأشتات إلى طلب الالتئام من جديد، وهكذا... فما من فكرة متشدّدة أحاديّة إلا تفرّقت في آخر أمرها أحزابًا وشيَعًا (بقطع النظر عن سبب ذلك، أهو اختلاف تأويلٍ أم عمَل) حتى تتمزّق هي نفسُها إلى مذاهب، وتنشأ منها هي نفسها الأضداد المتمانعة المتدافعة، حتى تزول أو تستحيل أو تُستأنف صياغتها في هيئة جديدة. وإذن: فالوحدة مستتِرة في المتكاثِر البشري، والافتراق مآل المتوحِّد البشري، لا مفرّ.

إذن فإن البديل المقترح، من وجهة نظري، ليس طلب التخلص من الرؤية الواحدة، ولا من رؤية واحدة بعينها، بل الأفضل هو أن ينشد البشر بعقولهم وأرواحهم وأخلاقهم وأعمالهم أن يتوصلوا إلى أفضل رؤية يستطيعون أن ينعموا فيها بالجوار والسلام والوئام، تحت سقف هذه السماء الواحدة، وعلى أديم هذه الأرض الواحدة؛ فالجوار والسلام والوئام هي الثلاثيّ الذي ينبغي أن يكون هو الغاية، ثم إذا انفرط العقد – ولا بد له من الانفراط- فإن على الناس أنفسهم أن يجدوا الوسيلة التي يعيدون بها الالتحام إليه في أعجل زمان وأيسر طريقة، وأكثرها مرابح، أو أقلها خسائر.

وها هنا عائق، هو: أننا إذا تصورنا أن ثمة «رؤية ما» هي المُثلى لتحقيق الثلاثي المذكور، ألنْ يكون في هذه الرؤية نفيٌ للرؤى الأخرى؟ ألن تكون إقصائية؟ ألا يكون في داخلها حامل ما يبطلها؟ مثل بعض الرؤى الفلسفية، التي دعت إلى ضرورة تغيير التاريخ، ثم تبنّت حتميّته، فكأن الجملة الثانية منها أعدمَتِ الأولى!

نعم، إن هذا لعائق ينبسط أمامنا مدّ البصر، ولكن يُمكن تجاوز كثير من عقباته بأن تكون «الرؤية المثلى» هي المعمولَ بها على الأرض، مع إعادة النظر فيها وفقًا للغاية الثلاثية المذكورة، وإعمال الإصلاح الدائم فيها، وتحسينها، وإجراء الدرس النقديّ عليها، وإخضاعها لاختبارات التجربة على نحو مستمرّ دائب لا ينقطع، وكأنها ذلك الطفل الوليد الناضر الصحيح السليم الأعضاء والحواس والملَكات، الذي يتعاهده مَن حوله بكل ما يغذيه وينميه ويحفظه ويصلحه ويرشده ويحميه.