فتيان الزنك، للكاتبة سفيتلانا أليكسييفيت، ترتكز فيها الكاتبة على استعارة الأصوات المتعددة على لسان جنود تحولوا معها إلى شهود أفرغوا ما في صدورهم من معاناة عاشوها أثناء تواجدهم في تلك الحرب التي خاضها الاتحاد السوفياتي في أفغانستان بداية من 1979م، واستمرت أكثر من تسعة أعوام، وبلغت الخسائر الإجمالية للسوفيات أكثر من 15 ألف قتيل ومئات الأسرى والمفقودين، وكانت توابيت الزنك المغلقة تحمل جثث فتيان خاضوا مواجهات عسكرية في حرب لم يعلموا أنهم سيموتون خلال جولاتها بعد أن أخبرهم القادة في موسكو بأنَّهم ذاهبون لبناء الاشتراكية في تلك البلاد، وهل هم مقاتلون أبطال أم مجرمون؟ وعندما يعود الجنود إلى بلادهم يجب ألا يتحدثوا عن الحرب إطلاقاً فالصمت أحياناً أبلغ من الكلام، فهم كـالقنبلة سرعان ما تنفجر في وجه المجتمع (السكر، الإدمان القتل الانتحار، الأمراض النفسية) والذين يتعرضون للإصابات البالغة يتم الإجهاز عليهم ويكون السبب في ذلك إما حادث مؤسف، أو طعام فاسد أو غير ذلك من الأسباب، حيث إن القاعدة الأساسية لا يوجد قتلى في صفوف الروس، بالإضافة إلى أن الخدمات الصحية المقدمة رديئة، وهذا مما دفع سفيتلانا إلى أثارة أسئلة حساسة حول الحرب، من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ ولماذا صدقنا ذلك كله؟

استطاعت سفيتلانا أن تضع وجهاً إنسانياً للجندي السوفييتي، وتعبر عن معاناة الذين عادوا إلى بلد أهمل هؤلاء الجنود، كما عبرت عن شعور الأمهات بالخسارة والخيانة من خلال عدم إعطائهن التفاصيل الكافية بشأن وفاة أولادهن.

تقول إحدى الممرضات اللواتي كنّ في أفغانستان: «كان في وسعنا إنقاذ البشر، لكننا لم نستطع حتى كتابة الحقيقة في تبليغات الوفيات».

تختصر سفيتلانا صورة الحياة بعد عودته في مقطع من التوطئة تقول فيه «لقد تحدَّث مرة واحدة فقط عن أفغانستان في إحدى الأمسيات، جاء إلى المطبخ حيث كنت أطبخ طبق الأرانب، كانت القطعة ملطَّخة بالدم، مرَّر أصابعه على الدم وتطلَّع إليه، قائلاً لنفسه جلبوا صديقي وبطنه ممزَّق، رجاني أن أطلق النار عليه، وقد فعلت».

سفيتلانا أليكسييفيت الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2015م اشتهرت بكتبها الواقعية التي توثق قصص ضحايا الحروب والكوارث، وقصص مؤثرة لجنود وطيارين وموظفين وعمال وأمهات وزوجات وأطفال مروا بتجارب مدمرة وبقوا ليحكوا لنا قصصهم المؤلمة.

تعرضت سفيتلانا للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب، وتمت إضافة جزء من الوثائق المتعلقة بالمحاكمة في الترجمة العربية. تقول يلينا مولوتشكو: «إن المحاكمة المدنية لـسفيتلانا أليكسييفيت وكتابها فتيان الزنك هو هزيمتنا الثانية في الحرب الأفغانية».

مقتطفات من الرواية:-،

  • لا أريد أن أصمت، ولا أستطيع الكتابَة عن الحرب أكثر.

  • ‏‏كل الذين عادوا من الحرب عادوا مختلفين، تتشابه الأسماء ويختلف كل‏ شيء!!

  • الرجال يقاتلون في الحرب، أما النساء فبعدها.

  • كان يعرف المثل العليا، لكنه لم يكن يعرف الحياة.

  • القضية أن الصنم أجوف، وكل ما هنالك أن الكهنة جلسوا فيه وتحدثوا إلى الرعية.

  • وهكذا نجلس في المقابر حتى غروب الشمس، نشعر بالراحة هناك لأننا نتذكر أولادنا.

كم سنعيش؟ لا يعيش طويلاً من يكمن في نفسه مثل هذا الألم ومثل هذه الإساءات والضيم.

  • علِّقوا فوق القبور لوحات، وانقشوا في الحجر، أنَّ كل شيء كان عبثاً، وانقشوا على الأحجار كي تبقى على مرِّ القرون.

  • من أين جاء الحقد؟ الأمر بسيط للغاية لقد قتلوا رفاقنا وكانوا إلى جانبنا أكلنا معهم من قدر واحد، حدثونا عن رفيقاتهم وأمهاتهم، وإذا بهم يرقدون أمامنا جثث مكسوة بالحروق.

  • ماذا فهمت هناك؟ إن الخير لن ينتصر أبداً.. والشر لا يتناقص في العالم. الإنسان كائن فظيع.. والطبيعة جميلة. الفم مملوء بالرمل دائماً.. ولا تستطيع الكلام.

المخضب