يمتاز الكاتب الأدبي عن غيره بحساسيته البالغة تجاه الأشياء، ونظرته العميقة للزوايا المختلفة في كل حدث تفوق التصورات السطحية التي تعبر كدخانٍ كثيف فيتلاشى، فهو يملك خيالًا واسعًا يتسع لشتى كلمات اللغة، إنه لا يُعنى بتوثيق حدثٍ ما إنما يعمل على وصف الأشخاص والأماكن والأصوات وخلق شعور حسي يتلمس مواطن المعنى؛ حيث يكمن المعنى الحقيقي في الحدث.

فكل عملٍ أدبي بقي خالدًا حتى عصرنا؛ كاتبه تجاوز جمالية النص إلى أغوار المعنى وعمق الوصف.. كان يمتلك العمق ويفتش عنه، ليس في داخله فحسب إنما حتى في روح المتلقي، ويصف معاناته وتناقضات شعوره وصراعاته الشخصية وحبه وقلقه.

  • تأثير الأدب واسع المدى

ومن الجدير ذكر رواية كوخ العم توم كعمل أدبي تجاوز تأثيره في القارئ إلى تأثيره في قوانين سياسية في دولة كاملة، فقد أوصلت هيرييت إحساسها بكلمات رقيقة ضربت على وتر حساس ولامست شعور طبقة كبيرة من المجتمع مسلوبة الحقوق، ولم تكن تتوقع هي أيضًا أن صدق إحساسها سيسنّ قوانين جديدة في البلد، وهذا ما يذكرنا أيضًا بما حدث مع رواية الحارس في حقل الشوفان كانت ذات تأثير قوي بين أوساط المراهقين في أميركا؛ حيث تم منعها في المدارس آنذاك باعتبارها ثوريّة ومؤامرة شيوعية، لكن لاحقًا لم تقتصر على المراهقين، بل صار الناس يضعون أسماءهم على قائمة الانتظار لشراء أو استعارة الرواية؛ لأنها قريبة منهم، فقد كُتبت بكلماتهم الدراجة بين أوساطهم الاجتماعية رغم بذاءة الألفاظ، إلا أنها واقعية تصف حياة البشر المزيفة، رغم خلوها من الحبكة الروائية، إلا أنها أحدثت ضجة كبيرة، وأعيدت طباعتها ثماني مرات في الشهر الأول من إصدارها، حتى إنه أعيد تدريسها لاحقًا في المدارس.

  • تعاطف الناس مع رسائل العشق

وحين نذكر تأثير الرواية في أوساط الناس العامة نأتي على ذكر كتاب رسائل جولي للفيلسوف جان جاك روسو، التي تتحدث عن حب فتاة من طبقة مجتمعية عليا لأستاذها الذي يصنف في طبقة أقل منها، كانت رسائل روسو تتلخص في أن يفعل المرء ما يتوقع مجتمعه منه القيام به، دون الاكتراث لأصالة الخلق والمشاعر المتفردة، فقد حصدت رسائل العشيقين انتشارًا واسعًا أدى إلى تقبل المجتمع الارتباط والحب بين الطبقات المختلفة تعاطفًا مع رسائل الأستاذ إلى جولي.

*التأثير الموسيقي في الرغبة

كان هتلر يرغب أن يكون رسامًا بارعًا كان يقضي حياة أقل من عادية، يقضي يومه بدون هدف، كما أنه كان عاطلًا عن العمل ولا يرغب بإكمال تعليمه الأكاديمي، إلا أن ليلة حضوره لعرض رينزي عرض الأولرا الموسيقي، قد أثارت في أحاسيسيه رغبة من الثورة والقيادة والتغيير، كانت نقطة التحول في تاريخ البشرية؛ إذ إن تأثير العرض لم يغير مسار أفكار هتلر فحسب إنما أعاد صياغة التاريخ أيضًا.

 أخيرًا

رغم اختلاف العصور وتداعيات كل زمن وظروفه التاريخية، إلا أن البشر يجمعهم التشابه في المشاعر باختلاف دقة درجاتها، الخوف والقلق والحب والهرب والعزلة والألم والفقد والحاجة والحنين والشفقة، فكل ما من شأنه لمس الشعور والتأثير فيه سيظل خالدًا إلى الأبد، فالإنسان ميالٌ إلى كل ما يلمس قلبه ويتفهمه، ففي النهاية سيبقى ما يصف شعورنا، ونحس أنه يشبهنا أو جزء منا بشكلٍ أو بآخر.