ما أقسى لحظات الفجيعة وعنفها على القلب، ما أقسى فراق الأهل والأحبة، فللفجيعة لظى أشد من حرقة النار، وطعم أشد مرارة من العلقم.. وقد تأتي لحظات لا يستطيع معها المرء أن يجد متنفساً من حرها ولوعتها، حتى الدموع أحياناً تستعصي وتصعب على المفجوع وهذا داء عظيم كما قال الشاعر:

فزعت إلى الدموع فلم تجبني

وفقد الدموع عند الحزن داء

لقد تطعمت مرارة الأسى والحسرة ولوعة الفراق فقد أهلت التراب قبل أيام على أختي الحبيبة، وأهلت فوقها الدموع والعبرات.. ومع إيماني بالله، وبقدره وقدرته فإن نار الفراق لها لظى محرق وتوهج يشوي المهجة ويلهب القلب.. وأختي تلك لم تكن أختاً عادية، فقد كانت رمزاً للمحبة والوصل بين الأهل والأقارب، وقد كانت صبورة، محتسبة، متحملة. كانت دائمة الإشراق والرضا والسكينة والطمأنينة والتفاؤل، وكانت واصلة محبة لأقاربها ومعارفها عطوفة على الضعفاء والمساكين، لا أقول هذا تحت عاطفة الفراق، لا والله، فالناس يعرفون ذلك فيها وهم شهود الله في أرضه.

والمرء حين يفتقد الحبيب مثلها يشعر أن شيئاً مهماً قد اقتلع من ذاته، وأن جرحاً عميقاً سيظل ينزف داخله.. ولن أستطيع أن أحكيكم يا سادتي كل شيء، فالحديث طويل، ولكن يكفي أنها لا تعرف الكراهية، أو البغضاء، وأنها تحب العطاء والحياة والناس.. وإذا كنا قد وارينا جسدها الثرى فهي ستظل ترتع في القلب وتحيا بين جوانحي ما بقيت.

ومرة أخرى أعرف أن قضاء الله لا يرد. ولو كان يرد لفديتها بالقلب والروح ولكن ذلك لن يكون.. فتلك مشيئة الله في خليقته، ندفن أحبتنا ويدفننا محبونا ونسير في دنيانا لا ندري متى نتوقف ولا ندري بأي أرض نموت.

فاللهم يا واسع المغفرة ارحم أختي الغالية واحشرها مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.