لي صديق اسمه خالد.. وخالد شاب مكافح ومنطلق وذكي، ولأن شخصيته تحب الحرية والانطلاق فإنه لم ينسجم أبداً مع وظيفته الحكومية، فالحضور في وقتٍ محدد والانصراف في وقت محدد والمتابعة الحازمة من رئيسه وطلباته المتكررة يتعارض مع شخصيته الميّالة للانعتاق من الالتزام اليومي الصارم الممل.

قرر خالد بعد تردد أن يترك العمل الحكومي ويتجه إلى العمل الحر.

اشترى شاحنة لنقل السيارات (سطحة) كانت بدايات العمل فيها شاقة جداً.. وصعبة جداً، لكنّ خالد قرر أن يصمد ويواصل عمله الجديد رغم الصعوبات معزيّاً نفسه بأنه صار حرّاً طليقاً من قيود الوظيفة الحكومية، وبأن في العمل الحر فُرصاً أكبر للتطور والتوسع، وبعد مرور وقت ليس بالطويل بدأ خالد في التأقلم، والانسجام مع شُغله الجديد خاصة حين اكتشف أسرار العمل ومهارات التعامل مع العملاء، وبعد أن كوّن قاعدةً لا بأس بها من الزبائن الذين وثقوا به، وشجعوه وأحبوه توسع خالد في عمله وشَرَع في علاقات جديدة مع عملاء آخرين لهم علاقةٌ مباشرة بعمله.

عملاؤه الجدد هم أصحاب محلات قطع الغيار المستعملة (التشليح) وأصحاب ورش السيارات، وأصحاب معارض السيارات.

هؤلاء العملاء أضافوا إلى خالد نشاطات أخرى ودخلاً أكبر، بالإضافة إلى ما يكسبه من عمله الأصلي، فكثير من أصحاب معارض السيارات اتفقوا معه بعقود طويلة لنقل سياراتهم إلى عملائهم داخل الرياض وخارجها، وأصحاب الورش اتفقوا معه ودياً على عمولة مجزية يأخذها عن كل سيارة يأتيهم بها، أما أصحاب محلات (التشليح) فأصبح يبيعهم بعض السيارات التالفة بعد أن يشتريها هو من عملائه. هذا التوسع الأفقي الذي حققه صديقي خالد لم يخطط له ولم يبذل أي جهد لتحقيقه بل هو سمة من سمات العمل التجاري الحرّ فالنشاط التجاري بطبيعته يتوسع ويتمدد تلقائياً ليشتبك مع مجالات أخرى لها علاقة بالنشاط الأول، وهذا ما لا نجده في الوظيفة الحكومية، فالموظف الحكومي له مهامٌ محددة ذات صلاحيات محدودة لا يتجاوزها، والتطور فيها يتم ببطء وبشكلٍ رأسي عبر الترقيات التي تأخذ وقتاً طويلاً للحصول عليها.

إن العمل الحر في المملكة مليء بفرصٍ ذهبية تنتظر الانتهاز، وزاخر بكنوزٍ مخفية تنتظر الاكتشاف.

وقطاع النقل خاصة هو الشريان الرابط بين أنواع التجارة كلها، والمحرك الرئيس للنشاط التجاري كلِّه، وهذا ما يجعل العاملين فيه يكتشفون أسرار التجارة بشتى أنواعها فيختار كل واحدٍ منهم المجال الذي يميل إليه فيتوسع من خلاله إلى نشاطٍ آخر. وقصة صديقي خالد لو قرأتها وزارة العمل، واستلمهت فكرتها فسوف يزداد حماسها وحرصها على توطين قطاع النقل بأسرع وقت ممكن.