منذ زمن وجدت نفسي مهتمًا بفئات اجتماعية تلقى اهتمامًا من الناس، وإن كانت هذه الفئات لا يعنيها ذلك من قريب أو بعيد، فكل واحد من هذه الفئة منشغل بما هو ميسر له؛ وبعض هؤلاء لديهم مس خفيف، وبعضهم في غاية من اليقظة والذكاء؛ لكن هاتين الصفتين وظفهما للآخرة وليس للدنيا بزخرفها وبريقها.

وعندي من هذه النماذج الإنسانية كثير؛ لكنني سوف آخذ نماذج متشابهة، كل نموذج له رسالة ومهمة تجاه نفسه أو تجاه الغير، أو تجاه نفسه وتجاه الغير معًا. في حي أو ممر ذروان المتفرع من درب الجنائز في المدينة - قبل إزالة هذا الحي لتوسعة المسجد النبوي - كان هناك رجل من الهند يطوف الحي يوميًا من الفجر على دراجة عادية محملة من الجهتين بكيسين مليئين ببقايا الذبائح، يأتي بهما يوميًا وفي التوقيت نفسه من سوق الجزارة إلى هذا الممر. وحالما يهل الرجل من طرف ذروان كانت عشرات القطط تلتف حوله كلما توقف حتى تنتهي حمولته من هذه اللحوم، وينحدر بدراجته عائدًا إلى سكنه أو محل عمله.

كنت أرى هذا المجاور الطيب يوميًا أثناء ذهابي إلى المدرسة التي كانت تقع نهاية هذا الممر مواجهة للمسجد النبوي، وخلال رحلتي لم أرَ هذا الرجل ولا مرة واحدة مستعجلاً أو في حالة ملل أو حتى مبتسمًا أو ضاحكًا، كان في واجبه الذي يؤديه مثل جندي يأتي في وقته المحدد، لكنه لا يعود أو يذهب قبل تمام مهمته. سألت نفسي دون جدوى عن الجهة التي تصرف لكي يؤدي ذلك العمل، وسألت نفسي كيف تعرف القطط موعده لتخرج من أماكنها لحظة مروره دون تقديم أو تأخير، كانت بينه وبين القطط علاقة تكاملية، هو يأتي باللحوم والورق الذي يضع عليه اللحم لتأكل القطط في مكان نظيف، وهي تخرج له فرحة مستبشرة.

ومثل هذا الرجل البسيط كثير، فمثله رجل جعل مهمته الطواف في الأماكن التي يوجد فيها الحمام السماوي، الذي كنا نسميه حمام الحرم، لينثر في كل مكان يوجد فيه فيضًا من حبوب القمح والشعير والذرة، وأحيانًا كان يجلب أواني يضع فيها الماء ثم يوزعها في الأركان، التي يتوقع مرور الحمام عليها! وهناك رجل طويل القامة متوسط السن لا تفارق اللفة الغباني رأسه، كان يطوف الأحياء والأسواق باحثًا عن الحمير والأحصنة، التي أدت مهمتها وتركت عندما طعنت في السن لتغرق في الجوع والأمراض، يأخذها ذلك الرجل دون توجيه من أحد إلى حوش خصصه لهذا الغرض؛ حيث تأكل وتشرب وتعالج وتنظف حتى يأتي أجلها.

ومن هذه النماذج رجل في الأربعينات من العمر صادفته كثيرًا عند وجودي في المسجد النبوي؛ قيل إنه تعثر في دراسته الجامعية لظرف صحي، بدني ونفسي معًا، وقد قيل إن الذي جنى عليه ليست الأمراض ولكن الذي جنى عليه ذكاؤه، وهو ما جعل مدرسيه يضيقون منه فيشددون عليه الحصار حتى فصل من الجامعة لينقلب حاله رأسًا على عقب حتى أصبح درويشًا لا يهتم بلبس، ولا طعام، ولا صحاب؛ وكان يجلس يوميًا في ركن من أركان المسجد النبوي ليعطي دروسًا مجانية في الرياضيات، والكيمياء، والفيزياء لطلاب من ثانوية طيبة! وعندما يمد له أحد نقودًا كان يأخذها، وحال خروجه من المسجد يقدمها على عجل لأول محتاج يقابله. هذا الرجل كان يضع الغترة على كتفه وهو يقطع الطريق على عجل عدة مرات في اليوم من باب السلام إلى شارع العينية!