الولايات المتحدة تسبق دول العالم في التفوق النوعي العسكري والتقني والاقتصادي، وتمتلك ترسانة عسكرية تستطيع إلحاق الهزيمة بأي خصم، كما تنفرد بإنفاق عسكري يفوق في مجمله الإنفاق العسكري في كل من الصين وروسيا وبريطانيا واليابان وفرنسا والهند وألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وأستراليا مجتمعين..

من أكبر التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على فارق ميزان القوة، وبرغم ما أسدته للمدنية والإنسانية من تطور نوعي إلا أن القوة -حسب المفهوم الأميركي- تمثل الركيزة والهدف الأساسي للاستراتيجية الأميركية وللفرد الأميركي وسواء أكانت هذه القوة من أجل رفع الظلم عن كاهل البشرية على حد قول توماس جيفرسن: (لقد أقسمت على محراب الله شن حرب أبدية على كل لون من ألوان الظلم على البشر)، أو قوله: (خلق الله البشر متساويين لا فضل لأحد على آخر)، أو لإحقاق الحق كما يقول إبراهام لينكولن: (يجب أن نؤمن أن الحق فوق القوة وبهذا الإيمان علينا أن نؤدي واجبنا إلى الأبد)، وقوله: (نحيا متحدين ونموت متفرقين)، أو بالتعبير عن مزيد من القوة كما يقول جون كندي: (إننا نملك القوة لجعل هذا الجيل البشري أفضل الأجيال في العالم أو آخر الأجيال).

وهو ما دفع أحد المحافظين الجدد تشارلز كراوثار وهو يرى تهاوي الاتحاد السوفييتي إلى الاعتقاد أن العالم دخل طورًا جديدًا تهيمن عليه قوة عظمى وحيدة لا يقف في وجهها أي منافس.

هذا التطور التاريخي المذهل اعتبره فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ.. فالصراع الأيديولوجي الذي ساد العالم منذ شيوع الفكر الماركسي في القرن التاسع عشر وقيام الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917 ثم تأسيس الاشتراكية الدولية والكتلة الشرقية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية في الثاني من سبتمبر عام 1945 قد بلغ منتهاه بانهيار تلك المعسكرات والانتصار الحاسم للولايات المتحدة الأميركية.. واليوم أصبحت أميركا المرجع الوحيد للقوة فقد أعلنت في خريف عام 2002م حفاظها على الهيمنة عن طريق ثني الخصوم المحتملين عن بناء قوة عسكرية تضاهي القوة الأميركية.

إلا أن فريدمان قد أشار في كتابه الـ 100 عام المقبلة: توقعات للقرن الواحد والعشرين إلى أن هنالك خمسة أهداف جيوسياسية استراتيجية توجه استراتيجية الولايات المتحدة العسكرية وهي: الهيمنة الكاملة للجيش الأميركي على أميركا الشمالية والتخلص من أي تهديد للولايات المتحدة الأميركية من جانب أي قوة في نصف الكرة الغربي وسيطرة القوات البحرية الأميركية بشكل كامل على الممرات المائية المؤدية إلى الولايات المتحدة الأميركية بهدف استبعاد أي احتمال لغزو أجنبي والهيمنة الكاملة على محيطات العالم لتعزيز ضمان الأمن للولايات المتحدة الأميركية ومنع أي دولة أخرى من أن تشكل تحديًا للقوة البحرية العالمية للولايات المتحدة الأميركية.

ولذلك فالولايات المتحدة الأميركية تسبق دول العالم في التفوق النوعي العسكري والتقني والاقتصادي، وتمتلك ترسانة عسكرية تستطيع إلحاق الهزيمة بأي خصم كان، كما تنفرد بإنفاق عسكري يفوق في مجمله الإنفاق العسكري في كل من الصين وروسيا وبريطانيا واليابان وفرنسا والهند وألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وأستراليا مجتمعين، وتحتفظ بهذا التفوق بفضل إنفاقها العسكري الذي يمثل نحو 40 % من إجمالي الإنفاق الدفاعي في العالم وميزانيتها الدفاعية التي تقترب من ثلاثة أضعاف الميزانية الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، كما تبلغ أكثر من ستة أضعاف الميزانية الدفاعية للصين التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا بعد الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في الإنفاق العسكري ولذلك تحقق الولايات المتحدة الأميركية تقدمًا هائلًا في التقنيات والتطور العسكري يضمن لها استمرار التفوق والهيمنة بفضل موازنتها الدفاعية.

وإن كان هذا النهج الاستراتيجي الأميركي قد تغير عقب تولي أوباما حيث أكد عند إعلانه نهاية حرب العراق إن درسًا من أهم الدروس المستفادة من هذه الحرب وهو أن التأثير الأميركي في جميع أنحاء العالم ليس وظيفة القوات المسلحة وحدها ولكنه وظيفة الدبلوماسية والقوة الاقتصادية وقوة النموذج الأميركي. فقد حدثت تحولات في التوجهات الاستراتيجية الأميركية على يد أوباما فقد بدا واضحًا أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي اتجهت إلى إعادة تقويم الاستراتيجية الأميركية في العالم.

ولكن كيف تتشكل القوة الأميركية؟

ففي دراسة تحليلية للدكتور جمال السويدي يستعرض فيها أنماط القوة الأميركية والتي تتكون من:

  • القوة الصلبة: وهي إحدى الأدوات وتعني إخضاع الطرف الآخر على تغيير مواقفه في مدى زمني وسياق محدد وذلك عن طريق التلويح بالقوة العسكرية أو استعراض القوة أو التهديد باستخدامها أو استخدامها فعليًا أو باستخدام العقوبات الاقتصادية أو الدبلوماسية أو فرض العزلة الإقليمية والدولية.

  • القوة الناعمة: وتقوم على استخدام الموارد المادية والمعنوية كالمساعدات والإعانات لحل الأزمات التي تواجه الطرف الآخر.

  • القوة الذكية: وذلك بالتناوب ما بين القوة الناعمة والقوة الصلبة ففي حالة إخفاق القوة الناعمة تحل محلها القوة الصلبة واستخدامهما مثلًا في تأمين مصادر الطاقة والممرات المائية وقضية الإرهاب العالمي والملف الإيراني.

  • المؤسسات والهيئات الدولية: ويتم ذلك من خلال مجلس الأمن الدولي لإضفاء الشرعية على استخدام القوة والهيئات والمنظمات المالية العالمية لمنح القروض والمساعدات للدول المتعثرة اقتصاديًا.

  • وسائل الإعلام: وذلك بالتأثير على الرأي العام العالمي كوسيلة ضغط على الدول لتغيير مواقفها.

بالإضافة إلى شبكة الإنترنت وإقامة التكتلات والتحالفات والاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف والدبلوماسية الموازية والحرب بالوكالة ودبلوماسية المؤتمرات.