عندما كنت أعمل في اليابان قبل حوالي عشرين عاماً كان لدي مدير لا يتخذ القرارات عندما أعرض عليه المشاكل والملفات في وقتها. وكثيراً ما كان يطلب مني ترك الملفات والاجتماع مجدداً بعد فترة. ومرة تجرأت وسألته: «لماذا تصر دوماً على هذا الأسلوب؟»، فأجابني: «طالما أن الموضوع ليس مستعجلاً ولا طارئاً فاحرص دوماً على أخذ الوقت الكافي لدراسة المسألة من مختلف الجوانب واتخاذ القرار الصحيح، لأن الاستعجال الآن قد يترتب عليه تأخر كبير في سير المشروع إذا ما اضطررنا لتغيير الخطة واتخاذ قرارات جديدة لتعديل القرار القديم الذي لم تتم دراسته بشكل جيد». مقالة اليوم تناقش مسألة التأني والشجاعة في اتخاذ القرارات.

نسافر بالزمن إلى القرن السابع عشر الميلادي حين حكم الملك لويس الرابع عشر فرنسا لما يزيد على سبعين عاماً شهدت خلالها بلاده نهضة ثقافية وفنية عظيمة وحروباً ومشكلات اقتصادية عميقة. ويروي المؤرخون أن الوزراء الفرنسيين كانوا يتناقشون لساعات طويلة لتحديد القضايا المهمة التي ستعرض على الملك الفرنسي ويتم ترشيح وزيرين بحرص بعد نقاشات طويلة أخرى ليقوما بعرض الملفات والحلول المطروحة على الملك الفرنسي لويس الرابع عشر والذي كان يستمع إليهما في صمت مهيب دون أن ينطق بكلمة واحدة. وبعد أن ينتهي الوزيران من العرض يتقدمان لطلب التوجيه والأوامر من الملك الفرنسي الذي كان يكتفي بالنظر إلى الوزيرين والتعليق بهدوء وسكينة: «سوف أرى!»، ثم ينصرف عنهما تاركاً المجلس. وبعد فترة تأتي التوجيهات على شكل أوامر بإمضاء لويس الرابع عشر.

ولكن، لماذا كان الملك لويس الرابع عشر يتصرف بهذا الشكل؟ تجيب الرئيسة التنفيذية لشركة هيوليت باكر ميغ ويتمان في القرن الحادي والعشرين في مقابلة متلفزة مع محطة سي إن إن بيزنس عن سؤال المذيعة لها: «متى تكونين أقل شجاعة؟ بقولها: «عندما لا أتوقف للتفكير في موضوع ما، الشجاعة تعتمد على التفكير والتأني في اتخاذ القرارات. إذا اتخذت قراري في نفس اللحظة فلن أكون في أحسن حالاتي. وكلما أخذت وقتي كلما كنت قوية وشجاعة. القرارات الحكيمة تحتاج إلى وقت وتوقف»!

ولا شك أن الزمن الذي نعيش فيه فرض علينا نمط حياة برتم سريع لم تعرفه أجيال كثيرة من قبل. فالقرارات والمعاملات الورقية التي كانت تستغرق أياماً وأسابيع أصبحت تحسم في لحظات بالأنظمة الإلكترونية. والاجتماعات التي كان التحضير لها والتنسيق بين حضورها يتطلب ساعات طويلة أصبحت تتم بسرعة ومرونة بالاجتماعات الافتراضية. وأصبحت مجموعات الواتساب بسرعتها ثقافة سائدة على الرغم من اختلاف وجهات النظر حيال استخدامها في نقاشات وقرارات رسمية.

وأخيراً، ففي زمن الاتصالات السريعة والأكل السريع والعلاقات الإنسانية القائمة على المصالح السريعة، فقد يكون لأسلوب الإدارة والقيادة القائم على التأني والتمعن في اتخاذ القرارات المصيرية قيمته وأهميته مع الحرص الشديد على التوازن وعدم التأخير والتعطيل بلا معنى.