لماذا لا ينتبه المسؤولون في دولنا للفكر المسرحي وما يطرح فيه من فكر واستشراف؟ لماذا يعتقد الكثير أن المسرح مكان للفرجة؟ - وهو كذلك - ولكنه صوت حي يتحدث في الحضور الحي وليس الغياب كما في الرواية والقصة..

خط أحمر مرسوم على الأرض ويقف عليه عسكريان حاملان السلاح، كل من ناحيته وهما (محمد ومحمد) ووظيفتهما حماية هذا الخط ألا يضع أحدهما قدمه عليه. وهما في ذات الوقت صديقان حميمان، فحينما يحضر الطعام يضعانه على ذلك الخط ويأكلان معاً، وفي الوقت ذاته يهدد كل منها الآخر بالقتل إن وضع قدمه على الخط الوهمي.

وفي ذات صباح يفيقان على جوال قد وضع على الخط، فيعتقد كل منهما أنه عبوة متفجرة، وكل منهما يستدعي السلطات الخاصة به. فيحضر المسؤول القصير من كل ناحية، ولا يحدث أي تقدم سوى الأمنيات أن يزال الجوال إلى الناحية الأخرى، ثم يأتي المسؤول متوسط الطول، وهكذا يفعل كما فعل سابقه، ثم يحضر المسؤول الطويل ومن كل ناحية ولا يفعل سوى مثل ما فعل سابقوه، إلى أن يأتي المسؤول الطويل جداً على كرسي متحرك فاقد النطق مشلولاً لا يستطيع الحركة! كل ذلك في طابع كوميدي ساخر حتى يتم إقرار بناء سور عالٍ يفصل بين الحدين على أن تبنى حجرة تحتوي هذا الجوال لحين البت في أمره! ويحرم محمد ومحمد من اللقاء إلا أنهما حينما يحضر الأكل يعتليان السور ويأكلان عليه، وحين يصاب أحدهما بأزمة قلبية يقفز الآخر لإسعافه، فيطاردان من كل جهة حتى يختبئا في تلك الحجرة المبنية على الجوال فيكتشفان أن ذلك الجوال عبارة عن طفل رضيع، وضع على ذلك الخط لعل أحداً يلتقطه ويعيش، لكنه مات وتعفن.

هذه أحداث مسرحية كتبتها العام 2000 بعنوان "السور"، وطبعت من قبل الهيئة العامة للكتاب، وحصلت على عدة جوائز، لكن ما يدعو للدهشة أنها لم تلتقط وتمثل على خشبة المسرح سوى على المسرح الوطني في ليبيا بقيادة رئيس المسارح الدكتور الأزهر أبو بكر الأحميد - رحمه الله -، وهأنذي أتذكر أحداث هذا النص المسرحي حين ألقى سيادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كلمته وقال: إن كلا الجانبين ليبي على كلا الطرفين أثناء حديث سيادته عن الأزمة الليبية الطاحنة.

مسكين من يعتقد أن المسرح دار للهو والضحك والتسلية، لا والله إنه مكان لإثارة الوعي وطرح الفكر والرؤى السياسية ولكل العلوم الإنسانية، وها هي مسرحية السور تُلتقط في أرض ليبيا وتعرض على خشبات مسرحه العام 2002 تقريباً، وتناقش هذه المسرحية قضية الوحدة الوطنية ليس فقط في أرض ليبيا حينما قمت بكتابتها وإنما في كل أرجاء الوطن العربي الذي يستمد قوته من وحدته، فالاستقواء كما هو مطروح في هذا العمل لا يفعل سوى سكب النار على الزيت - كما يقال - ولا سيما أنه عندما حضر المسؤول الطويل جداً جاء مشلولاً أخرس لا يقوى على الحركة أو الفعل وإنما عمل على تقسيم الأخوة الذين لا يطيب لهم الطعام إلا سوياً، ولم يتقدم أحدهما لرفع ذلك الجوال ليرى ما بداخله، الذي كان طفلاً رضيعاً ينشد الحياة، ذلك الحلم العربي جميعه بالوحدة والسلام والعيش في استقرار ومحبة لكن براءة الطفولة (الحلم) كانت غذاء لذلك الصراع المطروح في العمل، والذي يقدم بنوع كبير من الهزل والسخرية.

وبعد كتابة هذا العمل وعرضه على خشبة المسرح بما يقارب 19 عاماً نجد أن الخطوط الحمراء تتفتق في العراق وفي ليبيا وفي اليمن وفي سورية وفي لبنان وفي كل جدران الوطن العربي التي تتصدع يوماً بعد يوم، ولا أحد ينتبه إلى ذلك الطفل المخنوق داخل جوال بغرفة السور الذي استخدم ذريعة لتقسيم الوطن؛ لأنه أشيع داخل النص أن من خلف السور هم الأعداء، ويجب قتالهم عبر وسائل إعلام مدعومة مغرضة تصدقها الشعوب المغرر بها فتسلب وعيهم.

لماذا لا ينتبه المسؤولون في دولنا للفكر المسرحي وما يطرح فيه من فكر واستشراف؟ لماذا يعتقد الكثير أن المسرح مكان للفرجة؟ - وهو كذلك - ولكنه صوت حي يتحدث في الحضور الحي وليس الغياب كما في الرواية والقصة، وإنما هو الوحيد بخاصية الـ(هنا، والآن)، ولم ينح هذه الخاصية دون غيره من الفنون إلا أنه صوت حي وحيوي يطلق عقيرته بدق نواقيس الخطر في كل اتجاه إذا ما حان دوره!

أذكر أن بذرة الثورة في الجزائر كانت مسرحية للكاتب الكبير سعد الدين وهبة - رحمه الله -، حيث خرجت الجماهير الجزائرية من المسرح تهتف حتى اتقدت شعلة الثورة وتحررت الجزائر. كما حدث بعد عرض لمسرحيتي (اغتيال المواطن دو) أثناء افتتاح مهرجان الثقافة الجماهيرية بالسويس من إخراج عمرو كمال حينما هتفت الجماهير بعد العرض تندد بالحرب على العراق، وكان يومها أول يوم تضرب القوات الأميركية العراق فيه، حتى إن ميدان الأربعين في مدينة السويس احتشد بالمتظاهرين في منتصف الليل ضد الغزو على بلد عربي.

هذا هو المسرح الذي يحسه النبض العربي شرقه وغربه. المسرح هو الصوت العربي الحي الذي لا يزال ينبض ويصرح ويفصح ويناقش في زمن أصابه الصمم والشلل والخذلان والأطماع، المسرح هو الصوت الذي يحاول الكل إسكات صوته لأنه مخيف ومرعب، فهو الصوت الوحيد الصادح والملاحم للوجدان مهما اختلفت الجنسيات والأوطان، وهو جذوة الوعي وأقوى قواه الناعمة، لكن هل يفقه جل من يعرف المسرح أنه لا يعرفه، وأن من يعرفه يخافه، وأن من يخافه يسكته؟ ولك يصمت المسرح في وطننا العربي، وإن نطق تم تجاهله! إلا أنه الوثيقة الوحيدة الصادقة لتدوين التاريخ للدارسين والباحثين في الأزمنة المقبلة إذا ما تغافله القائمون عليه!