نقرأ الروايات لأسباب كثيرة، أحد الأسباب هي القصة الموجودة في الرواية، والتي كانت تعتبر عاملاً مهماً من عوامل كتابة أي رواية، لكن ذلك لم يعد ضرورياً، أو أن غياب الحبكة لم يعد أمراً مستغرباً، لم يعد النقاد يخرجون رواية ما من جنس الرواية لأنها خالية من الحبكة.

نقرأ الرواية للمتعة أولاً، وإذا كانت الرواية التي تقرؤها خالية من الحبكة لكنها أمتعتك، هي إذاً رواية جيدة، وأحد الأمثلة التي وقعت عليها قريباً كانت رواية عبدالله ثابت وجه النائم. يمكننا أيضاً أن نلحظ ذلك في روايات إدوار الخراط.

حين تقرأ روايات من هذا النوع، تستغرق في العبارات الشعرية التي تملؤها، تتذوقها وتستلذ بها وتنسى الحكاية، يملؤك إحساس جميل بأنك تتمشى في حديقة وتشم الزهور في يوم جوه رائع، لا توجد حكاية في هذه النزهة، هكذا الروايات الجميلة التي لا تحتوي على حبكة، الحياة مليئة بالأيام الخالية من الحبكات، وهناك أشياء كثيرة تحدث في يومياتنا غير مترابطة وليس لها معنى. والروايات تحاكي الحياة فلم لا إذاً، رواية من دون حبكة.

لا توجد قوانين في الكتابة الإبداعية، اكتب ما يحلو لك بالطريقة التي تراها، المهم في النهاية أن تكتب شيئاً فريداً وجميلاً. ومسألة أن الرواية لابد أن تحتوي على بداية ووسط ونهاية ما عادت مسألة مقدسة، طرح هذا الأمر من قبل وكثيراً، لكن مناسبة طرحه مرة أخرى هو أنني في لحظات حين كنت أقرأ وجه النائم وحين يذهب ثابت بعيداً عن الرواية يكتب تهويمات ومنامات كان يخطر ببالي السؤال، أين الأحداث؟ ما الذي يحدث؟ ثم أهز رأسي وأقول، وهل يهم، المهم أنني مازلت أقرأ، لم تصرفني هذه التهويمات عن القراءة، لم تزعجني. وهذا هو المهم.

لكل شخص ذوقه الخاص في القراءة، والكتاب الذي لا يمتعك لا يجب أن تقرأه، هذه إحدى بديهيات القراءة، والتي إذا لم تتعلمها ستنصرف عن كل أنواع القراءة، وستهجر كل الكتب بدل أن تهجر فقط الكتاب الذي لم يعجبك، وبالتأكيد أن روايات من دون قصة أو حبكة ليست مغرية للجميع، هناك كثيرون يريدون قصة يتابعونها حتى السطر الأخير تشدهم وينتظرون نهايتها، وهناك أشخاص تمتعهم الجمل الرقيقة العميقة والمرهفة، هؤلاء تغريهم روايات مثل وجه النائم ورامة والتنين.

يمكننا أن نغرق في خواطر البطل، نستمع إلى مونولوجه الداخلي، ونتابع أحلامه، حتى آخر الرواية. تنتهي الرواية من دون نهاية. ليس أمراً خطيراً أن يحدث ذلك. فهو يحدث، حتى في الحياة.