لم يكن عبدالله الزيد شاعراً عادياً، فهو أحد رواد الساحة الأدبية والثقافية في المملكة شاعراً وناقداً ومذيعاً ألمعياً، منذ سنوات وهو يعاني من آلام وأوجاع صحية مبرحة أثرت على نشاطه وحيويته، ويلازم حالياً بسببها السرير الأبيض في مدينة الملك فهد الطبية.

الأديب والقاص خالد اليوسف المقرب من الشاعر عبدالله الزيد طمأن المشهد الثقافي بتحسن حالة الزيد، مبيناً أنه تجاوز مرحلة الخطر، وقد تم نقله من غرفة العناية المركزة إلى غرفة المتابعة بعد تجاوبه مع الأدوية والعلاج بفضل الله ثم بفضل دعوات محبيه النقية، وأشار اليوسف إلى أن الزيد أفنى عمره في الإعلام والشعر والكتابة، وكان له دور كبير في الحراك الثقافي منذ مطلع الثمانينات والتسعينات الميلادية.

بدوره يصف أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد تجربة عبدالله الزيد الشعرية في "قاموس الأدب والأدباء" بأنها اتسمت بمحاولة عدم الالتزام بحركات التفعيلة؛ ولعل هذه الإشارة تفسّر شيئاً من مذهبه في تشكيل الشعر، وتعدّ دواوينه الثلاثة الأولى ممثلة للتيار الإبداعي الذي سيطر على نتاج ثلّة من شعراء المملكة في الثمانينات، ففيها انزياح إلى لغة الشعر الحديث وتوظيف للرمز مع مسحة من غموض ليس بالشفيف في كثير من الأحيان. وتعتبر بقية دواوينه امتداداً لنفس شعري متفرّد عُرف به، فقد استمرّ على نهجه في استثمار طاقات اللغة؛ لذا تأتي لغته مصقولة، وإن كان يقع أحياناً في تكرار بعض القوالب التعبيرية. كما وفّق في المزاوجة بين النمط التناظري والتفعيلي في القصيدة الواحدة.

وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن عبدالله الزيد وبعض مجايليه أحدثوا تغييراً في مسار القصيدة في المملكة باختيارهم وحدة التفعيلة بدلاً من وحدة البيت، وباختلاف رؤيتهم للشعر والحياة عن الرؤية التي كانت سائدة قبلهم، ومع احتفاء الزيد بالشعر التفعيلي لم ينقطع عن الشعر ذي البنية الموروثة بل إنه احتفى به في دواوينه الثلاثة الأخيرة، ولم يكن ذلك اختياراً واعياً، بل كان لتحقيق رغبة ذاتية محضة كما يقول، لها صلة بالمعاني وتداعيات الصور والألوان.

وفي دواوينه الثلاثة الأخيرة التي أصدرها جميعاً في عام واحد ظهرت قدرة الزيد على التشكيل الموسيقي المتوازن الممتزج بالأصوات المتعدّدة داخل القصيدة الواحدة، مع تمكّن لغوي وتجسير للشعر إلى نوع من الدراما، واحتفال بالزمان والمكان، واقتدار على الصورة الشعرية المتجاوزة المكثّفة بالدلالات.

وهو في جميع قصائده ذو نزعة رومانسية تسرف أحياناً في توهين الفأل، وتنبسط من خلالها رؤيته العميقة التي تتعانق مع الحزن وتتمسك بالفرح، حتى وإن كانت الذات هي المحور في معظم قصائد عبدالله الزيد؛ فالجدل مع الآخر هو حوار مع الذات أيضاً، وهذا الجدل يكشف شيئاً من نفسيته المرهفة التي تتطلّب الكمال في الناس، وتأسى لما تراه من مظاهر النقص، فينعكس ذلك في شعره حسرة وتشاؤماً. ولعبدالله الزيد ديوان بعنوان (ترتيلات الهزيع المسجّى)، وفيه استمرّ مزاوجاً بين النمط المأثور في كتابة القصيدة والنمط التفعيلي، مزاوجةً تدلّ على استيعاب ناضج للإيقاع الشعري، وفيه تظهر قدرته على اقتناص المواقف الوجدانية، وصياغتها في صور فنية متجاوزة، مع تكامل عنايته بفنيات الشعر حتى في عتبات النص من عنوان ومقدمة نثرية.

صدرت المجموعة الشعرية الكاملة الأولى لعبدالله الزيد عن دار «المفردات»، وتشتمل على دواوينه الـ5 الأولى، وهي: «بكيتك نوارة الفأل سجّيتك جسد الوجد»، و«ما قاله البدء قبلي»، و«ما لم يقله بكاء التداعي»، و«أمد الدمع من عيني لبدء الريح»، و«مورق بالذي لا يكون»، بالإضافة إلى ديوانين جديدين، أولهما «ولو ألقى معاذيره»، وهذا صدر عن دار «المفردات»، وثانيهما ديوان بعنوان «لمقام أم الرخاء والشدة» صدر عن النادي الأدبي الثقافي في جدة. عمل الشاعر عبدالله الزيد مذيعاً في إذاعة الرياض طوال ثلاثين عاماً، بالإضافة إلى عمله في الملحقية الثقافية بالسفارة السعودية في لندن.

خالد اليوسف
د. عبدالله بن سليم الرشيد