تقوم رابطة العالم الإسلامي عبر أمينها العام الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى ومؤسسات الرابطة كافة بدور مشهود في الحوار بين أتباع الديانات والثقافات.

ويبدو أن هذا الدور لم يعجب بعض الشخصيات والأجهزة ذات الارتباط الإخواني أو حتى تلك التي لا تريد أن تصعد الرابطة في الفضاء الإنساني بثقلها ومرجعيتها التي تنطلق من مكة المكرمة مركزها الرئيس.

أمثال هؤلاء يجب أن يُتجاوزوا ولا يُلتفت إليهم، وأصحاب الرسالات يركزون على الغاية الحميدة من رسالاتهم دون أن ينشغلوا بالمغرضين الذين يحاولون أن يصرفوا وجهتهم إلى معارك جانبية تنسيهم الهدف الأسمى.

وهذا يدعونا إلى الحديث مرة أخرى عن الحوار، ولماذا يهمنا التركيز عليه ليكون ثقافةً وسلوكاً؟

نستطيع أن نقول: إن الحوار ينطلق من صميم ديننا الذي يقول كتابه الكريم القرآن العظيم:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا). بل القرآن الكريم نفسه فيه نصوص حوارية عظيمة ومؤثرة، وينبغي أن تفرد بدراسات مستقلة.

القرآن الكريم الذي يقول عنه العز بن عبدالسلام: «معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها». فكل قول أو فعل أو مشروع صغير أو كبير يحقق للبشر مصلحة ظاهرة فلا شك أنه يدخل في نصوص القرآن التي تأمر باكتساب المصالح وتزجر عن اكتساب المفاسد ومن ذلك الحوار بالكلمة الطيبة الصادقة. ونستطيع أن نقول: إن هذا التعارف الذي يدعو إليه القرآن الكريم هو النهج الوسط بين الجافي الذي يدعو للتقاطع، وبين الغالي الذي يدعو إلى سيطرة ثقافة على ثقافة، وإلى تعميم مذهب اجتماعي في العالم كله.

ومن ثَمَّ نقول مع الأديب المصري الكبير «محمود شاكر»: «فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئاً إلا بعد عرضها على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال».

ونستطيع أن نقول: إنه يجب أن يحذر العلماء والمفكرون والمثقفون من المنتسبين إلى الديانات الكبرى من أن يتبنوا بشعور منهم أو بغير شعور مقولة سارتر: «الجحيم هم الآخرون». حتى نعت الكاتبة الفرنسية كاترين ريهوا على هذه الحال بقولها: «كل المسافات سقطت بفضل العلم إلا المسافة بين الإنسان والإنسان».

إن الحوار بين اتباع الأديان والثقافات يقطع أو يساعد في قطع الطريق على أولئك الذين لا يريدون للبشرية سلاماً ولا رخاءً وإنما يريدون مزيداً من الكوارث والمصائب.

وعصرنا كله داعٍ للحوار، بكل تفصيلات هذا العصر: من مشاكله وإشكالاته، ومن قضاياه وهمومه، ومن خلافاته وحروبه، ومن ثقافاته وعلومه، ومن أجناسه وكثرة سكانه.

بالحوار نقطع الطريق على المتطرف غير المسلم الذي يخوف من الإسلام «إسلام فوبيا»، وبالحوار نقطع الطريق على المتطرف المسلم الذي يريد دفعنا إلى مواجهة مع الغرب.

ونستطيع أن نقول: إن العالم مازال يعاني من فلسفة النفعية الضيقة التي بموجبها يبحث الإنسان باعتباره فردًا أو مجتمعًا متحيزًا عن منفعته الخاصة في زمانه الخاص في مكانه الخاص دون اعتبار ببقية الأفراد والمجتمعات والأزمنة والأمكنة، ولذلك فالحوار حول الأهداف المشتركة والمساعي الحميدة التي تسندها الفطرة سيساعد على تفكيك هذه النفعية المحدودة، فالأرض تقلنا، والسماء تظلنا، والهواء مشترك.

ونتحاور أيضًا لأن جملة من المسلمين أصبحوا جزءًا من الغرب، يقول الدكتور ميشيل لولونج أحد رجالات الكنيسة الكاثوليكية «إن التخويف من الإسلام في أوروبا يجب إدانته لأن المسلمين في الغرب أصبحوا جزءًا من البلدان الأوروبية».

ونستطيع أن نقول: إن البشرية تكونت في هذا العصر في نموذج لم يسبق لها أن تكونت في مثله في حدود ما أعرف، فهي تبحر في الحياة بقارب واحد فكما قد ينجون جميعًا، قد يغرقون جميعًا -وجائحة كورونا تؤكد ذلك- وهذا يستدعي مزيدًا من اللقاءات والحوارات وصناعة الأهداف المشتركة. والحق أن كل المشاهد على جميع الأصعدة تدعو إلى مزيد من الحوارات الهادفة: المشهد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وحتى الأدبي. وقبل ذلك المشهد الديني. وعلى سبيل المثال فإن المشهد الاقتصادي يقول: إن الدول التي جرَّبت استراتيجية الاكتفاء الذاتي اكتشفت أن هذا المبدأ فاشل، وأن التجارة وتبادل السلع هي التي تغني جميع الأمم.

كما أن استيراد المعرفة وتوطين التقنية يُدعو بإلحاح إلى الحوار العميق والهادئ مع منتجي المعرفة ومصنعيها.

وأكتفي بهذا القدر فـ:

لا خير في حشو الكلامِ

إذا اهتديت إلى عيونه