الإنسان الذي صعد الفضاء وذهب إلى أعماق الأرض، الإنسان الذي بنى ناطحات السحاب وسير السفن العملاقة تجوب البحار والمحيطات، الإنسان الذي صنع الحاسب الآلي والهاتف الجوال وأبدع في إنتاج ما كان مستحيلاً في العصور السابقة، هذا الإنسان بكل جبروته وعنفه وعنفوانه يقف ضعيفاً مستكيناً خائفاً يترقب بسبب كائنٍ ضعيف لا يستطيع الصمود في الهواء أكثر من لحظات.. هذا الإنسان الجبار تحول إلى كائنٍ مذعور مرعوب، يلجأ إلى المصحات والمستشفيات ويلهث وراء مصانع الأدوية لعله يجد أو يركب أو يبتكر علاجاً يوقف شر هذا التنين الضئيل الذي صار يربكه ويقض مضجعه وجعله يميل إلى العزلة والاستكانة فيما يشبه البيات الشتوي عند بعض المخلوقات خوفاً وهلعاً ورعباً.. وهنا ينكشف الإنسان على مسكنته وهوانه.. ها هو يدخل مكتبه أو معمله أو قطاره أو طائرته بعد أن دهن يديه بالمعقمات وخزم أنفه وكمم فمه بالأقنعة والأحراز، وكم تمنى داخل نفسه أن يصعد إلى سماءٍ أكثر نظافة وأكثر أمناً.

ولكن هيهات فلا أرضٌ تقيه ولا سماء ولا ملجأ يجعله مطمئناً.. بل إن ما كان يعتقده مكاناً آمناً أصبح مكان فزع وجزع فصار يتحاشى الاقتراب من المصحات والمستشفيات التي أخذت تكتظ من بالمصابين، فتراه يقول ويكرر لنفسه «أين المفر».. لا مفر إلا الحذر والهدوء واجتناب الأمكنة والناس.. وهكذا يظل في حالة جزعٍ ورعب حتى يقضي الله أمره فيكشف الداء ويرفع البلاء.