تلك كانت رحلة من جنيف إلى لندن بالطائرة فعندما دخلنا في الأجواء البريطانية تغيرت حركة الطائرة من الهدوء إلى الاضطراب والاهتزاز، ومن السكينة والسكوت إلى الحركة والهرج ثم الصراخ... فمنذ دخولنا تلك الأجواء طُلب إلينا شد الأحزمة، والالتزام بالجلوس في المقاعد، وهذا شيء يشبه "الروتين" مع من تعود على تلك الرحلات... ولكن الوضع أخذ شيئاً من الحرص والجدية، ثم التأزم حيث اختفى المضيفون تماماً وكل منهم ربط نفسه إلى مقعده ودخلت الطائرة في ظلمة شديدة مع أن الوقت كان ظهراً، ثم أخذت في الارتجاج العنيف حيث تفتحت أدراج المخازن، وراحت الأشياء تتساقط وتتناثر على رؤوس الركاب، ثم سُمع أزيزٌ غريب في صوت الطائرة حتى ليُخيل إلى السامعِ أنه داخل ورشة لنشر الحديد... ومضت لحظات عصيبة، حتى المتحدث بالطائرة أغلق جهازه، ولم تُعد هناك أي تعليمات أو تحذيرات.. وطاف الموت فوق الرؤوس التي ظلت محنية متشبثة بالرعب خشية وقوع الكارثة، حتى كأن الركاب يستمعون إلى صوت الارتطام بالأرض ثم التشظي والاحتراق.. دخل الكُل في دوامة الصمت والموت وتوحدت الأشياء مع بعضها فلا فرق بين الراكب وكرسييه ولا فرق بين يدٍ ويد ولا رأسٍ ورأس.. ثم انفجر أزيز مرعب تفجرت معه أصوات الركاب في صيحة وصرخة واحدة، ثم مالت الطائرة ميولاً مرعباً إلى درجة أن الذين في الجانب الأيمن ينظرون إلى الذين في الجانب الأيسر وكأنهم فوقهم..! دخل الناس في حالةٍ من الغيبوبة والجمود حيث ألجم الخوف أفواههم وكتم أنفاسهم وعقد ألسنتهم، ولم يعودوا يشعرون بشيء إلا بعدما رأوا أشباحاً تتحرك حولهم هي حركة بعض المضيفين.  إذ أخذت طريقها في المدرج.. ولم يتصايح الركاب أو يصفقوا كالعادة استبشاراً بالسلامة فكانت صدمة الخوف العنيفة قد عقدت ألسنتهم وكتمت أنفاسهم وهم في حاجة إلى دقائق حتى تنحل تلك العقد التي شدها وربطها الرعب بإحكام... وقفت الطائرة ولم ينهض الناس كالعادة وإنما ظلوا لحظات طويلة وهم على حالتهم وبعد فترة أخذوا في التلفت والانتقال بأبصارهم إلى الأشياء من حولهم وكأنهم صحوا من نومٍ عميق أيقظهم منه حلم مرعب...

 تلك تكون بعض الكوارث والمصائب التي تعقبها رحمة الله... وكثيراً ما تنقشع الظلمة ويخرج الضوء ويلتمع النور.