تمثل فلسطين رمزية متجذرة في الوجدانين العربي والإسلامي؛ رمزية تتجاوز الطابع الاحتفائية العادي والهوياتي، فهي أهمية ترسخت مع الزمن؛ لما تمثله فلسطين كأرض وتاريخ وتراث. ولا غرو أن تحظى قصة النضال الفلسطيني وصمود شعبه باهتمام مستشار خادم الحرمين الشريفين ورئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل، الذي أكد في تصديره للتقرير الصادر عن المؤسسة أن ما بات يميز فلسطين هو حضورها العالمي، الذي كرسته حكاية صمود شعبها، التي يندر أن نعثر على حكاية تشبهها، وهي حكاية شعب اغتُصبت أرضه، وطُرد من بلاده، فبنى له وطنًا عماده وحدوده أبناؤه في الداخل الفلسطيني المُحتل وفي الشتات، وإصرارهم على استعادة الأرض، وعلى حق العودة، ويمضي سموه في كلمته ليجدد التأكيد على أن فلسطين وحق العودة والإصرار عليها هي العقيدة التي يحفظها كل فلسطيني عند مولده، ولن يتخلى عنها ما بقي له عمر يعيشه، فإن تكن الأرض قد اغتصبت، فإن الذاكرة لم تغتصب، وما تفجُّر طاقات الحياة لدى الفلسطيني على الرغم من الموت المحيط به إلا تعبير عن إصرار هذه الذاكرة على امتلاك الماضي والحاضر والمستقبل كوسيلة لاستعادة وطن غادر أهله أرضه قسرًا ولم يغادره كمعنى وانتماء أو كجذور ومستقبل ومصير.

التقرير الصادر عن المؤسسة جاء رصينًا مدعمًا بآراء فكرية لكبار المفكرين والكتاب العرب، كما جاء امتدادًا لتقارير بالرصانة ذاتها للمؤسسة التي تنضوي جميعها تحت عنوان واحد، وهو أن فلسطين قضية العرب والمسلمين، التي لا تنازل ولا مساومة ولا تراخي عنها، وإن اكتنف المطالبات الدؤوبة الدائمة بحق عودة شعبها وتقرير مصيره متاعب ومعوقات ومصاعب، لكنها الإرادة الثابتة التي لا تلين ولا تستكين ولا تتضعضع؛ لإيمانها بعدالة مطلبها ووجاهته ورسوخه على مدى الأزمان.

وقد اختارت مؤسسة الفكر العربي للتقرير عنوانًا موضوعيًا وشاملًا يعكس قيمة فلسطين وموقعها في وجدان وقلب كل عربي ومسلم وهو (فلسطين في مرايا الفكر والثقافة والإبداع)؛ ما يعني أن الثقافة العربية ما زالت متمسكة وستظل أيضًا متمسكة بالتزاماتها تجاه فلسطين كقضية وهم ثقافي؛ حيث يندرج هذا التقرير الجديد في سياق سعي المؤسسة إلى الإضاءة بصورة محددة وبانورامية على أوجه الحياة الثقافية المنوعة في مختلف مناطق العالم العربي.

وتهدف مؤسسة الفكر العربي عبر هذا التقرير إلى رسم لوحة جامعة ومؤتلفة بمختلف المحاور المرتبطة بفلسطين وقضيتها كما عالجها نتاج المفكرين والأدباء والفنانين الفلسطينيين والعرب، في حقول التاريخ والفلسفة والأنثربولوجيا وعلم الاجتماع والتربية والرواية والشعر والنقد والمسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية والفولكلور، وكما انعكست في مرايا الثقافة العالمية.