شهد النظام العربي انتكاسات مؤلمة، عبر مسيرة النضال العربي وتحقيق الاستقلال. وأثّرت في توجهاته وأسسه وتطلعاته الكثيرُ من التحديات، في ظل ظروف إقليمية ودولية صعبة، ومن أهم هذه الانتكاسات‪ ‬نكبة فلسطين عام 1948، وكذلك هزيمة 1967 التي أحدثت جرحاً غائراً في ذهنية الأمة كان سيدوم لولا انتصارات حرب أكتوبر 1973 المجيدة التي أعادت الكرامة للوطن العربي، ورفعت منسوب الثقة بالنفس، والقدرة على مواجهة أعتى الخصوم‪  .‬

وفي ظل روح التفاؤل هذه يعود الوطن العربي مجدداً إلى مواجهة الصعوبات عبر أحداث ما سمي بـ «الربيع العربي» وبروز منظمات إرهابية عنيفة ومتوحّشة، مثل داعش وأخواتها من الجماعات «الإسلامية» المتطرفة الأخرى بدعم وتمويل من قطر زرعت الفتنة، وزعزعت الأمن وأسهمت في دمار سورية، ونشرت الرعب والدمار فيها، فقد آذن ذلك كله بانبثاق مرحلة جديدة لتدخّل دول أجنبية تتبنى سياسة الاستقطاب؛ لبسط سيطرتها، ومدّ نفوذها على الوطن العربي.

لقد استهدفت سورية ذات الأهمية الإستراتيجية لكونها دولة محورية في الشرق الأوسط، وأحد الأركان الأساسية للنظام العربي الإقليمي. ونتيجة الاستقطابات المدمّرة أصبح هذا البلد العربي المستقل ذا السيادة يكابد الآن آثار الحرب التي أنهكت شعبه واستنزفت مقدراته؛ بحيث أصبح الشعب السوري جلّه لاجئاً أو محاصراً يكابد مرارة العيش والفقر والإذلال.

إنّ بروز الاستقطاب الإقليمي الإيراني لا يقل خطراً عن الاستقطاب التركي والإسرائيلي، وهذه الدول الاستقطابية الثلاث جميعها تحتل أراضي عربية زرعت الفتنة، وزعزعت الأمن وأسهمت في دمار سورية، فقد حاولت إيران أقلمة النزاع في سورية، والاستفادة من التواجد الروسي الذي يسعى هو بدوره لتركيز موقعه في المنطقة، وضمان تواجده في البحر الأبيض المتوسط، وترسيخ نفوذه ومكانته في هذه المنطقة الإستراتيجية، بالرغم مما يلاحظ مؤخرا من تململ روسي تجاه مسار الامور وتقييم المخاطر في سورية‪ .‬

وحرصت إيران، في غضون ذلك، على توثيق الصلات، ومد جسور التعاون مع روسيا، من خلال اللقاءات المتكررة في سوتشي مع تركيا وروسيا لضمان الهيمنة على المستقبل السياسي لسورية، بعيداً عن أي دور عربي أو حضور للجامعة العربية التي تم إقصاؤها عن هذه الاجتماعات‪ .‬

لقد شكلت السياسات الإيرانية، وما تحمله من أهداف شاذة وخبيثة، أشد المآسي والدمار والخراب، عبر سياسة الملالي ونظامها الثيوقراطي ذي البعد الطائفي الذي لا يجلب إلا الكوارث والأزمات المتواصلة والدورية.

وشجعت ما شهدته المنطقة من تحولات جيو- إستراتيجية، الاستعلاءَ الفارسي على بعض الدول العربية، عبر مفاهيم ومنطلقات تدعم من خلالها قوى الممانعة والأقليات الشيعية، وتعمل على الهيمنة على حوزاتها العلمية، بحيث أصبحت تهيمن على القرار السياسي في بعض هذه الدول، ما دفع بالشعب العراقي للتظاهر وإطلاق الصيحات «إيران برّا برّا، بغداد تبقى حرة»، وهي صيحات غضب كشفت سقوط سياسة الابتزاز السياسي الإيراني في كافة الدول التي كانت تفتخر بالسيطرة على عواصمها.

في ضوء هذه الظروف والتحولات التي بدأت تتبلور إرهاصاتها على الساحة العربية، اتصل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أواخر الشهر الماضي، بالرئيس السوري بشار الأسد، لبحث مستجدات وتداعيات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في المنطقة والعالم والإجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة في البلدين للتصدي لهذا الوباء، وإمكانية مساعدة ودعم سورية الشقيقة في هذا الصدد، بما يضمن التغلب على الوباء وحماية شعبها الشقيق، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وأكد الشيخ محمد بن زايد على ضرورة أن تسمو الدول فوق المسائل السياسية في هذه الظروف الاستثنائية، وتغلّب الجانب الإنساني، في ظل التحدي المشترك الذي نواجهه جميعاً. وشدد على أنّ سورية البلد العربي الشقيق لن يكون وحده في هذه الظروف الدقيقة والحرجة‪.‬

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ هذا التواصل بين دولة الإمارات العربية والجمهورية العربية السورية لم يكن الأول من نوعه، بل سبق وأن فعّلت دولة الإمارات الحركة في سفارتها في دمشق، كما أنّ جمهورية مصر العربية وجمهورية الجزائر وسلطنة عُمان أبقت تواصلها الدبلوماسي عبر تواجد قائم بالأعمال في سفاراتها هناك، وكذلك فعلت كل من مملكة البحرين ودولة الكويت اللتان جارتا الإمارات في التواصل مع سورية، كما أمرت المملكة الأردنية الهاشمية بفتح الحدود بين البلدين، بينما احتفظت الجمهورية اللبنانية بسفيرها في دمشق، كما حققت بعض العلاقات مع الدول العربية الأخرى تقدماً، بغية الحد من النفوذ الإيراني والتركي في دمشق‪ .‬

هذه المؤشرات السياسية تعكس تبلور رؤية وتفاهم جديدين في المنطقة، وتبشّر بفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية- العربية، كما تدل على بوادر عودة دمشق للحاضنة العربية، بعد ما حلّ بها، وطناً وشعباً، من دمار ونكبات من قبل الهجمات الإرهابية لداعش وأخواتها، والتدخلات العسكرية من كل حدب وصوب، وهو ما أسهم في ضرب مقوماتها التحتية، وتدمير قدراتها وتشريد شعبها.

إنّ أقل ما يقال إزاء هذه المستجدات التي بدأت بوادرها تلوح في الأفق وتحمل في مضامينها ذهنية جديدة تبعث على الأمل، أن تبادر القيادة السورية للترحيب بهذه التحركات، كي تتمكن من الخروج من حالة الغياب عن العمل العربي المشترك، والعودة بقوة إلى دفء البيت العربي، حرصاً على مصالحها الوطنية الاقتصادية والسياسية، والتفكير في إعادة الإعمار، وعودة المواطنين المرميين على حدود الدول.

آن لسورية العربية أن تتجاوز اللحظات العابرة في تاريخ المنطقة، خصوصاً وأنّ الاستقطاب والابتزازات الإيرانية والروسية والاحتلال التركي والإسرائيلي لا يمكن مواجهته بفعالية إلا عبر المساندة العربية، واستخلاص العبر والدروس والنتائج من وحدة الصف وتراصّه.

التوجه الجديد لا يمثل فرصة للمصالحة العربية فحسب، إنما يشكل خياراً إستراتيجياً يعيد سورية لوضعها ومكانتها الطبيعية، ودورها كإحدى الدول الفاعلة في الجامعة العربية، لتسهم مع الأشقاء في بناء نظام عربي إقليمي جديد يلبي حاجات هذه الأمة في ترسيخ أسس التضامن العربي والعمل المشترك والتنمية والاستقلال الوطني والانبعاث الحضاري.

  • كاتب سعودي ودبلوماسي سابق