لم تكن جائحة كورونا في المملكة، شراً كلها، ففي وسط الإصابات المتزايدة وتحت مظلة الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار الفيروس، ظهرت حزمة من الإيجابيات، التي نجحت في ترسيخ الكثير من المفاهيم الجديدة وتعزيز التحولات داخل المجتمع السعودي.

ولعل من أبرز هذه الإيجابيات، الاعتماد على التقنيات الحديثة في تسيير الكثير من الأمور عن بُعد، باستخدام الشبكة العنكبوتية التي استوعبت برامجها المتعددة أنشطة التعليم وإدارة الأعمال وتقديم الخدمات الحكومية، فضلاً عن عقد الاجتماعات واللقاءات وتعزيز التواصل المجتمعي بين الأفراد أياً كانت أماكنهم، في خطوة تدفع بمسيرة الحكومة الإلكترونية وتُفعل مسارات التحول الرقمي، وهو ما تطمح إليه رؤية 2030.

اهتمام المملكة وحرصها على تسيير أمورها عبر برامج الإنترنت، دفعها إلى تعزيز إمكانات الشبكة العنكبوتية، حتى تكون قادرة على تقديم خدمات متنوعة بكفاءة عالية، ومن هنا لم يكن غريباً أن تقفز المملكة إلى المرتبة العاشرة عالمياً في سرعة الإنترنت خلال شهر أبريل الماضي بحسب تقرير موقع «سبيد تست» العالمي المختص في قياس سرعات الإنترنت المتنقل، بعدما كانت تحتل المرتبة الـ 105 في الترتيب ذاته في عام 2017، وهو ما يشير إلى أن المملكة حققت قفزة نوعية تتجاوز ما نسبته 500 % في تحسن سرعة الوصول إلى الإنترنت من خلال الشبكات المتنقلة، بعد إعادة توزيع الطيف الترددي ورفع مخصصات خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات منه بما يتماشى مع خطط التحول الرقمي في المملكة.

ففي زمن كورونا، شهدت خدمات الإنترنت طلباً متزايداً من المستخدمين السعوديين قفز بمعدل استهلاك البيانات للشخص الواحد قبل أزمة «كورونا» إلى 600 ميغا بايت من البيانات في اليوم، وهو ضعفا المتوسط العالمي، فيما نما هذا المعدل إلى أن بلغ 920 ميغابايت في اليوم بعد البدء في تطبيق الإجراءات الاحترازية، وهذا يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، في إشارة واضحة، تبين المشهد الذي ستكون عليه المملكة في السنوات المقبلة، واعتمادها على التقنيات الحديثة في تسيير الأمور كافة، الأمر الذي يوفر الجهد والوقت والمال معاً، ويدفع إلى إيجاد الابتكارات الجديدة والبرامج المفيدة في تعزيز المجتمع وازدهاره.

الاعتماد الكبير على شبكة الإنترنت بهذه الصورة داخل المملكة، لن يكون مرحلة مؤقتة تنتهي بزوال خطر فيروس كورونا وعودة الحياة إلى طبيعتها، وإنما سيكون أسلوب حياة متبعاً في العديد من المجالات والقطاعات، بعدما أثبت الواقع الحالي أنه بالإمكان تقديم الخدمات المطلوبة عن بُعد بالكفاءة نفسها، بل وأفضل منه في حال القرب الاجتماعي.