لم يكن الصلح في التاريخ الإسلامي هامشيا، أو آخر الحلول في القضايا المختلفة السياسية منها والاجتماعية والثقافية والأمنية، بل هو من أهم الركائز الأساسية التي يتحقق بها الأمن والاستقرار والسلام، لذلك فإن مفهوم الصلح في الإسلام هو مفهوم شامل، يتخلل كل القضايا التي تحتاج إلى المعالجة السلمية التي تتم عبره. 

إن مفهوم العنف والفساد في الأرض وإراقة الدماء ليس أمرا عاديا، بل يعد مخالفا لسنن الأرض والحياة قبل خلق آدم، وهذا كان واضحا من كلام الملائكة عند خلق آدم "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" في مدلول واضح على أن من قبل آدم اعتدوا على السلام في الأرض، فعاثوا فيها فسادا، فجاء الأمر الإلهي باستخلاف خلق آخر من أديم الأرض "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"، ليعمرها بقيم العدالة والتسامح والمحبة وليعم السلام والأمان على الأرض، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالسلام وبسط الاستقرار بين الأنام؛ لذا كان الأصل في الإسلام هو السلام، وكان الأمان نعمة من نعم الله على خلقه "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".

  أخطأ من كان يعتقد أن مفهوم القوة والسيطرة يكون بفرض الحروب على البشر والأمم واستباحة دمائهم وأموالهم "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم"، فهذا منطق الأكاسرة والجبابرة الذين وضع لهم الله نهاية مأساوية لمخالفتهم أهم سنن الحياة، التي جعلها الله سبيلا لعمارة الأرض واستقرارها، فلا يمكن أن تتحقق هذه العمارة دون تحقق أسبابها وعلى رأسها السلام الدائم "رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات"، ومن هنا نفهم أن الحرب استثناء، فهي مخالفة للسلام كليا وللأهداف الربانية، وهي أكبر تهديد لاستمرار الحياة الطبيعية على الأرض، بنشرها مظاهر الخوف والفوضى والظلم والحرب وسفك الدماء والإفساد في الأرض؛ وهي تتسبب في قطع الطريق أمام إعمار الأرض وازدهارها، لذلك تصدى الإسلام بمفاهيمه النورانية لتلك المفاهيم الظلامية، وسحب عنها كل مبرراتها الشرعية.

 إن اﻹﺳﻼم ﻋﻘﻴﺪة وﺷﺮﻳﻌﺔ ﻳﻬﺪف إﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ اﻟﺴﻠﻢ واﻷﻣﻦ في اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ عبرالصلح بكل مضامينه، التي تحمل معنى المصالحة والمسالمة؛ ولا شك أن المعاهدة مع الآخر في الإسلام تنطلق من المصلحة العليا للمسلمين والإنسانية أيضا، وهي تنازلات متبادلة، فقد تكون المبادرة بالمسالمة تقتضيها المصلحة الإسلامية العليا والإنسانية، فالحرب قد تسقط الهيكل على رؤوس الجميع، ويكون فيها المفسدة والخسارة الكبرى، ويمكن لنا تجنب ذلك عبر الصلح أو المعاهدة، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، أي: إن دعوك إلى الصّلح تجميدا للصِّراع فصالحهم عليه، والكلام كثير حول ذلك يمكننا أن نختصره بالسيرة العملية لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

  حافظ صلح الحديبيّة على الدين، وساهم بنشره وهو نموذج حي حصل بين نبينا محمد صلى الله عليه وآله صحبه وسلم وبين المشركين، الغاية منه استتباب الأمن وبقاء حالة السِّلم بين المسلمين وبين المشركين، ونذكر قوله تعالى "عزيز عليه ما عنتم"، وهذا يؤكد أن الإسلام ركز كثيرا وأولى اهتماما كبيرا بالصلح "والصلح خير"، فالرسالة المحمدية جاءت سبيلا للهداية والرشاد ودليلا لعمارة الأرض والحياة بطاعة الله وليس لخراب الأرض وسفك الدماء بالحروب، ولو أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - دخل في معركة مع قريش في تلك المرحلة، لما استطاع أن يتحرّك نحو مكّة ليفتحها بالسلم، ويسلم من فيها، ويزرع بذرة التسامح الأولى، فاليوم يوم المرحمة، لذلك كان صلحا قدَّم تنازلا مرحليا، ليكون ظفرا وفتحا كبيرا بالسلم وينهي الصّراع تماما مع قريش.

 إن معاهدة النبيّ - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - لليهود في المدينة المنورة لم تكن مجرد خطوة عابرة، فكل أفعاله وقرارته لا تخرج عن قوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى)، فأراد أن يحافظ على المجتمع المتنوع في المدينة لتكون النموذج العالمي للتعايش السلمي بين الأديان، وألا تعيش حالة صراع داخليّ ينعكس سلبا، قد يدمِّر أتباع الأديان بصراعات دموية لن تنتهي، لذلك عقد - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - العهود والمواثيق مع اليهود من (بني قينقاع)، و(بني النّضير)، و(بني قريظة).

 العهدة العمرية هي كتاب كتبه الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - لأهل إيلياء بالقدس عندما فتحها المسلمون، أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، وقد اعتبرت العهدة العمرية واحدة من أهم الوثائق في تاريخ (القدس)، فكانت النموذج الراقي في التعايش الإسلامي المسيحي، أعطى الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأهل إيلياء أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها، وألا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، فكانت هذه العهدة نموذجا ودليلا على انفتاح الإسلام مع جميع أتباع الملل وتمكينهم من كل حقوقهم الدينية والإنسانية والحياتية.   

الأمّة الإسلاميّة الواعية هي التي تختزن الإسلام الواقعي في عمقها، تفهم أنَّ أهداف الصّلح مستنبطة من المصادر الفقهية الإسلامية وله مبرّراته الشرعية وأسسه الإنسانية أيضا، ففيه السلام والأمان ودفع المفسدة والخراب وتحقيق أهداف الرحمان والحفاظ على الإنسان وحقن للدماء وحفاظ على الأعراض والأموال "والصلح خير" بقول الرحيم الرحمان، ومن فقه الواقع ننطلق في عمق الوعي لقضايانا، ولا نتحرّك في هوامش واقعنا، الواقع الذي يحدّد أين المصلحة العليا هنا وأين المصلحة العليا هناك، وقد رأينا أن تاريخنا الإسلامي حافل وفقا للرؤية الشرعية، بعقود الصلح سواء مع المشركين كما جرى في الحديبية أو في المعاهدات كما جرى في المدينة مع اليهود، والعهدة العمرية مع المسيحيين في القدس، كل ذلك يعطينا الشرعية الإسلامية والمندوحة الفقهية لكل قضايانا في كلّ مراحل حياتنا، متخذين رسولنا القدوة والأسوة (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، فالصلح والمعاهدة والتّسليم ينطلق من المصلحة العليا للمسلمين (والصلح خير).

إن الأمة الإسلامية اليوم لفي أمس الحاجة لكل نوع من أنواع الصلح، إذ به صلاح الأمة؛ فالصلح وإن كان في ظاهره نوعًا من التنازل، إلا أن فوائده أكبر، كما بينا، وكما يقول الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "لأسلمنّ ما سلِمَت أمور المسلمين"، فالصلح هو الخير والدواء الذي تستعيد به الأمة عافيتها، فنسأل الله أن يعافي أمتنا من كل داء، وأن ينعم عليها بالأمن والأمان والسلام، والله من وراء القصد عليم.

  • الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي