تعد من النظريات الفلسفية الحديثة المثيرة للجدل والنقاش لارتباطها بالآلة الدماغية المتعلقة بالتفكير والمنتجة للأفكار وهي العقل البشري.. وتاريخيًا فإن أول من أطلق مصطلح تلك النظرية هما العالِمان في مجال علم النفس "ديفيد بريماك" و"غاي ودروف" وذلك عام 1978م.. وتعد نظرية العقل أحد فروع العلوم الإدراكية التي تبحث في مدى قدرة المرء الذهنية على فهم وتمييز ذاته وتكوين تصورات معينة عن الآخرين من خلال تكوين فرضيات أو توقعات للتنبؤ بسلوكياتهم ونمط تفكيرهم وتفسيرها تلقائيًا، مع قناعته بأن كل شخص له كيان وتفكير مستقل خاص به، ربما قد يتشابه في بعضه معه أو يختلف عنه بالكُّلية.. ما يعني أن هذه النظرية تقوم على مبدأ قراءة الأفكار كمهارة ذهنية تعتمد على الربط والتحليل والاستنتاج؛ أي ربط المعلومات المتوافرة عن الآخرين والمبنية على معطيات سابقة عنهم، من خلال الاحتكاك بهم والمعرفة الدقيقة بشخصياتهم وثقافاتهم والتجارب اليومية معهم والمواقف والأحداث المختلفة التي مرت بهم وردود أفعالهم الإيجابية أو السلبية حيالها، وتحليل كل ذلك بطريقة منطقية استدلالية ومن ثم استنتاج ما يضمره الآخرون داخل أدمغتهم من أفكار أو معتقدات أو آمال أو مخاوف أو عواطف أو رغبات أو توقعات أو نوايا على اختلافها.. وهذا لا يعني المعرفة القطعية بما يجري في عقول الآخرين، بل هي أقرب ما تكون إلى المعرفة الظنية الموجِبة لقبولها كحقيقة في جانبي الخير أو الشر.. وبناء عليه تعد هذه النظرية مهارة من المهارات الاجتماعية المعرفية التي تتطلب قدرة عقلية وذهنية راقية يحظى بامتلاكها بعض البشر دون غيرهم؛ لذا يطلق على هذه المهارة (علم نفس العامة).. ومن المفارقات الغريبة أن هذه النظرية كمهارة عقلية فريدة تزداد ممارستها لدى الإناث أكثر من الذكور.. وربما يعود السبب في ذلك إلى ما تكتنزه النساء من عواطف صادقة وأحاسيس مرهفة ومشاعر جياشة تفوق بها الرجل، وهذا ما يجعل انسيابها إلى العقول والتنبؤ بما تحويه أسرع من غيرها.. والناس في تطبيق هذه النظرية في تفاوت وبدرجات مختلفة؛ حيث تبدأ ممارسة مهارات هذه النظرية منذ الطفولة المبكرة بطريقة عفوية تدل على الذكاء والنمو العقلي لدى الأطفال، وتستمر بعد ذلك بالتطور عبر الزمن، إلا أن ممارستها من قبل فئة المراهقين فيها من المحاذير التي لا ترقى لمستوى الثقة في فهمهم لجوانب الحياة المختلفة لسطحية تفكيرهم، فالمراهق بطبعه نظرته قاصرة في التعامل مع معظم المواقف الحياتية وضعف تقييمه لها، الأمر الذي ربما يجعله مندفعًا أو منجرفًا بسهولة نحو أي أفكار متطرفة أو معتقدات هدامة، بخلاف الشخص الراشد الذي يحمل من المعرفة الشاملة والخبرة الواسعة والإدراك العام ما يجعله قادرًا على فهم نفسه وفهم من حوله.. فكلما زاد فهم المرء لعقول الآخرين واستيعاب ما فيها ارتقى مستوى عقله ونضج تفكيره وإدراكه؛ لذلك تعد "نظرية العقل" من أساسيات الوعي البشري، ويمكن تطبيقها بين بني البشر في كل زمان ومكان طالما توافرت العقلية السليمة، فالمصابون بالعجز العقلي كمدمني المخدرات أو الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة كمرضى "التوحد" مثلًا لا يمكنهم ممارسة تلك النظرية في حياتهم؛ لأنهم يفتقرون إلى فهم تأثير سلوكهم في الآخرين، ويجدون صعوبة في تفسير ورؤية الأمور من أي منظور آخر غير منظورهم، كما أن كثيرين من غير المختصين يربطون "نظرية العقل" مباشرة بما يسمى (لغة الجسد) واعتبارهما وجهين لعملة واحدة، وهذا غير صحيح.. والصواب أن أدبيات ومبادئ "لغة الجسد" هي مجرد قراءة استنباطية لسلوك الآخر من خلال تصرفاته وحركاته، وليست قراءة عقلية لأفكاره.. وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن الاستعانة بـ"لغة الجسد" في ممارسة نظرية العقل كعامل مساعد في سرعة الوصول للعقول وقراءة ما تحويه من أفكار.. ومما ينبغي التنويه إليه هنا أن "نظرية العقل" التي تعتمد على قراءة الأفكار قد تُستخدم في السياسة، والتجسس، وفي الحروب، وأثناء استجواب المتهمين؛ لأن معرفة ما يفكر فيه خصمك أو عدوك تعني امتلاكه والسيطرة عليه.. ويبقى للتذكير أنه لا يمكن اعتبار "نظرية المحاكاة" نوعًا من قراءة الأفكار.. بل هي مجرد عملية صدى عاكسة للشخصية، تقوم على محاكاة ذاتية لمعتقداتها ومشاعرها ورغباتها، وتُستخدم نموذجًا نظيرًا لما يجب أن يكون عليه عقل الآخر وليس قراءة لنوايا سلوكه وأفكاره.