حدث في الأسبوع الثالث من الحجر أن أخذ موتانا يتوافدون في نومنا.. في نوم البارحة جاء أخي الأكبر نبيل، هذا الذي لم يلبث أن غادرنا منذ عامين.. بعد عام من الأخذ والرد مع السرطان، في الأسبوعين الأخيرين قرر أن يكف عن لعبة الكيماوي، واستلقى ليرقب بصمت صولات وجولات السرطان، لمدة أسبوعين بلا ولا حتى كبسولة مورفين وصفها بكرمهم الأطباء، بلا أدنى مقاومة استلقى نبيل في سريره يرقب تقدم السرطان من المرارة للكبد للرئة للقلب، وهنا أخذ تنفسه يتسارع، رشفات متسارعة إن كان يمكن تسمية تلك الرجفات مقاومة، وكان ذلك آخر ما أتاه ذاك الجسد الذي لم يعرف المرض قط ولا الأطباء.. في حجرته وسريره ذهب نبيل.. لماذا تراجعني هذه الذكرى مستغلة وقفة الحجر هذه؟ آه؛ ذلك لأن نبيل جاءني في نوم البارحة، هل كان حلمًا؟ لا أظن، نبيل كان هنا بالعنفوان الأبدي وبيده على القلب، قلبه وقلوبنا جميعًا، قطعًا شعر نبيل في ذلك العالم الآخر بالاضطراب الذي نحياه مع الكورونا العالمية، دومًا كانت لنبيل هذه الحساسية في دنياه ولا تزال في حياته الآخرة، دومًا ما أن نعيش اضطرابًا حتى يحضر أينما كان في قارات العالم التي ظل يجوبها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا أرضًا وسماءً، وها هو لا يتخلف يحضر من موته، جاء البارحة متكئًا على حافة نهر من نور، وكانت شادية قد وعدته في الحلم برسم بورتريه لوجهه الوسيم، اللوحة التي عرضتها شادية على حافة النهر كانت لصف زهور عباد شمس، وأشارت لعبادة الشمس تلك قائلة «هذا أنتَ يا نبيل!» هل يتحول أحبتنا في موتهم لعباد شمس؟ عجيبة رحلة موتانا في ذلك العالم الآخر، هي رحلة تفوق كل التخيلات، والسؤال: هل هناك موت؟ ربما الموت كلمة اخترعناها للترويع، لوصف عجزنا عن تخيل تلك الرحلة، إذ ها هو نبيل يظل متكئًا على حافة النهر متبسمًا في زهرة عباد شمس ويرسل موجات السلام والطمأنينة والاستسلام لله.. «لا خوف، لا جزع، الحياة هنا». بعد هذا البث هل يبقى للاضطراب من مكان، هنا أو هناك على حافة النهر.

لماذا تنبش الكورونا كل أولئك الذين ذهبوا ليقيموا فوق الوجع وأصناف البلاء؟ ربما هو الصمت، وربما هي الرجعة للباطن، بل لباطن الباطن واستنطاق الأفراح والأوجاع.

هناك حيث المُقام الأصل، وحيث تسقط الحدود والحواجز بين عوالم الغيب والشهادة، هناك نقطة منها انبثق الكون ولا يزال، لكننا نُحْجَب عنها بالعقل وقدراته المحدودة، وفي الحجب ننسى أن الكل واحد، وأن واحدنا هو الأب للكل، حيث الكل واحد، هناك حيث نتصل بمركز القوة فينا بحيث لا يقهرنا مرض، يركز خبراء القوى الإحيائية والتجديدية الكامنة بالجسد على أهمية الاعتماد على الحكمة التي للجسد، وبأنه قادر على تحديد العضو أو المركز الأولى بالعناية والعلاج، «لا تربك جسدك بالخوف وفرط الغذاء وبالأدوية، دعه يرتب أوراقه، ويحدد نقاط ضعفه، ويعمل بصمت على شفائها، أعنه بالغذاء المعتمد على الخضار والفواكه، وقبل كل شيء أعنه بالصلاة وبالتأمل»؛ لأن الصلاة تأخذ الجسد لعمقه، لعمود النور الذي هو محور الكون والأكوان، فمن هناك يستقي قواه التجديدية وشفاءه، من هناك يعيد ولادة ذاته، بكل صلاة نولد من جديد، ليس الصلاة التي تتم بعجالة وآلية و بلا وعي، وإنما الصلاة التي يسكن فيها كل شيء حتى الوقت، الصلاة التي هي وقفة بين يدي الخالق، ومن هاتين اليدين نولد، وفي هاتين اليدين لا نموت».