فاز ترمب عام 2016 على منافسته كلينتون تحت شعار أمريكا أولا. وهذا ليس مصادفة. فأمريكا أرهقتها زعامتها للعالم بعد الحرب الباردة- عندما أصبحت بمفردها الأمر الناهي على هذه المعمورة. فالعالم عندما يعطي الزعامة لبلد، فإنه لا يتنازل عن ذلك مجاناً. ولهذا وقع على الولايات المتحدة وميزانيتها عبئ كبير- حتى جاء عام 2008 ليبرهن إن ذلك ليس بمقدور حتى دولة عظمى كأمريكا. ومن وقتها والولايات المتحدة تتراجع تدريجياً وتخفف من أعبائها الخارجية، حتى جاء ترمب ليعلنها صراحة ان الولايات المتحدة لن تقدم لاحد خدمات مجانية.

واليوم جاء الدور على المانيا، التي استهوتها لعبة الزعامة الأوروبية. ففي الأسبوع الماضي خلال الاجتماع عن بعد بين المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون تم الاتفاق على رصد 500 مليار يورو، أي 545 مليار دولار تقدم لأشد بلدان الاتحاد الأوروبي تضررا من جائحة كورونا. ويجب ان نعطي الرئيس الفرنسي حقه، لانتزاعه هذا المبلغ من المانيا التي سوف تكون أكبر البلدان الاوروبية مساهمة فيه، في حين أن فرنسا هي من بين أكثر المستفيدين. وللتوضيح أكثر، فإن 500 مليار يورو سوف تقدم للبلدان وعلى رأسهم فرنسا ليس كقرض وإنما كمنحة بدون مقابل.

إذ يعتقد إن الرئيس الفرنسي، الذي يعرف من أين تؤكل الكتف كما يقول المثل، قد هدد المستشارة الألمانية بعبارة تتكون من أربع كلمات: الدفع او انهيار الاتحاد الأوروبي. ومثلما نعرف، فإن زعيمة الاتحاد الأوروبي هي المانيا- وانهياره يعني فقدان المانيا للزعامة.

وهكذا وقعت المانيا في الفخ الذي وقعت فيه أمريكا بعد الحرب الباردة. فرغم أن واشنطن كانت تأخذ مقابل اعتراف العالم بزعامتها، فإنها كانت أيضاً تدفع مقابل ذلك- الأمر الذي خلق عبئ على دافع الضرائب الأمريكي. ولذلك، فإن أعباء الزعامة التي أرهقت الولايات المتحدة سوف ترهق المانيا. خاصة وإن في الاتحاد الأوروبي دول ضعيفة اقتصادياً وخاصة في شرقه، التي تعتمد على المعونات التي يقدمها المركز. ولهذا، فإن الدول الميسورة في الاتحاد الأوروبي مثل فنلندا وبلجيكيا والسويد والنرويج وسويسرا وهولندا، والتي سوف تشارك المانيا في توفير المبلغ، تقاوم وتطرح تقديم قروض ميسرة وليس منح.  

طبعاً الزعامة أمرها مغر، والبلد الذي يحصل على هذا اللقب يصاب بالنشوة. ولكن دونالد ترمب الذي أدرك عام 2016، إن المواطن الأمريكي قد انهكته تكليف زعامة بلده للعالم رفع شعار أمريكا أولاً. ولذلك انتخبه الأمريكيون حتى يوفروا على أنفسهم تكاليف تلك الزعامة. واعتقد أن هذا التوجه هو الذي سوف يفوز ليس فقط في أمريكا، وإنما في كافة أنحاء العالم- فبعد النشوة تأتي الفكرة دائماً.