أتاح لي الحجر المنزلي الذي سببه فيروس كورونا، الوقت للقيام بعملية غربلة شملت الملفات، والكتب، والرسائل، والقصائد، والصور والأفلام. تضمنت العملية إعادة تنظيم، وإتلاف، وفتح ملفات جديدة، ورحلة جميلة مع الذكريات المهنية والعائلية. أرشيف فردي لكنه نافذة على قضايا سياسية واجتماعية وثقافية. أرشيف لا يحكي قصة فرد ولكن قصة إنسان وحياة في وطن متجدد، وانتماء ومجتمع وتنمية وتغيير ومستقبل، ورحلة فكرية تحاول طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، لكنها وأقولها بانحياز رحلة تفكير إيجابي حافلة بالتفاصيل التي تحفظها الملفات أحيانا أكثر من الذاكرة.

أصعب المهام في عملية الغربلة هي الإتلاف. تقف حائرا مترددا أمام أوراق احتفظت بها لمدة طويلة، صفحة غالية في دفتر حياتي أحاول انتزاعها ورميها في كيس النفايات وهي تقاوم. زحمة أوراق وملفات وصور غير قابلة للإتلاف ولكنها قابلة للغربلة، وهذا قرار عاطفي، ولا بأس أن يكون الإنسان عاطفيا في بيته. أما في بيئة العمل فالحياة مع الورق تكاد تنتهي، ولا مجال للعاطفة.

أقف معجبا بمجلة اليمامة التي نشرت لي عام 1406 في الصفحة الأخيرة التي تحمل عنوان (الكلام الأخير) مقالا بعنوان (ممنوع دخول ....) وكنت أنتقد فيه بعض المحلات التي تضع لوحة في الواجهة وعليها عبارة (ممنوع دخول النساء)، أقف ضاحكا أمام قصائد إخوانية تبادلتها مع الأصدقاء والزملاء، أقف مبتسما أمام أبيات لم تكتمل كتبتها لزميل مجاور في اجتماع طويل:

سألوني أين كنت .. قلت كنا في اجتماع

خاطبوني ما فعلت .. خطباء.. واستماع

ما الذي فعلا جنيت .. هل لديكم انطباع؟

أفتش في الأرشيف الورقي، أقرأ تاريخا وقضايا سياسية واجتماعية مختلفة، أعيش بين الورق، أدب وثقافة وسياسة وإدارة ورياضة وعلاقات عائلية وصداقات، تنتظرني سلة النفايات ويقف أمامي متفاخرا جهاز الحاسب الآلي، أرفض الاستجابة، أعيد الغربلة، أفتح ملفات ورقية جديدة.

وأيضا من حسنات الحجر المنزلي أنه أعطاني وقتا أكثر لأقف أمام الوالدة احتراما ومتحدثا وداعيا الله أن يحفظها ويرزقها طول العمر والصحة والعافية، أجلس معها متأملا في دور الأم العظيم، هذا الإنسان الذي يجد سعادته في الحب والعطاء بلا حدود وبلا شروط، نعيش مع الوالدة في الماضي، وتجاهد لتشاركنا الحاضر. نحاول الاقتراب منها، نريد تقبيل رأسها أنا وأخواني وأخواتي، يقف فيروس غير مرئي يسمى كورونا حائلا بيننا وبين الاقتراب من الأم. لا نصدق تحديد مسافة بالأمتار بيننا وبين الوالدة، لكننا نفعل لأننا نحبها.