المقصود بالأجنبي هنا هو الخواجة الغربي (الأمريكي أو الأوروبي). وكانت صورته في أذهان السعوديين في فترة قديمة صورة زاهية؛ ذلك أنه كان يمتلك قدرة ومهارة جديدة علينا، فكان يعمل في تخصصات نادرة لم يتعرف عليها المواطنون ولم يعملوا بها. ويبدو أن صورة الخواجة ارتبطت بأرامكو، بما تعنيه أرامكو من تقنية عالية وتطور جديد في مجال البترول على مجتمعنا في ذلك الوقت. وربما يكون أول اتصال مباشر وطويل للمواطنين البسطاء مع الخواجات كان عن طريق أرامكو؛ فكان الخواجة يبهر الناس بقدرته على تشغيل الآلات والأجهزة الجديدة وإدارتها.

وهذه الصورة الزاهية ليست مقصورة على ذهنية الأفراد، بل إن الشركات والمؤسسات كانت تستفيد من الخواجة في تسليمه مواضع القيادة والإدارة والاستشارة. ولكن مع مرور الوقت وتقدم بلادنا في مختلف مجالات التنمية، اُبتعث عدد من أبناء الوطن وتعلموا ماكان يعلمه الخواجه؛ كما استحدثت التخصصات التي تلبي احتياجات الوطن. وهذا مما ساهم في التقليل من وهج صورة الخواجه؛ ذلك أن المواطن صار يوازي الخواجة إن لم يتفوق عليه. مع العلم أننا لانزال بحاجة إلى الاستشارات والآراء التي ربما نفيد فيها من الأجنبي في بعض المجالات.

ولكن عزيزي القارىء، لا تزال صورة الخواجة عند البعض تحتفظ بعقدة الشعور بالنقص المعرفي والعقلي؛ وهو شعور يرتكز على الاعتقاد بأن الخواجة يملك مواهب خارقة لا يملكها سواه. فقد نشرت إحدى الصحف يوم السبت الموافق 19 أغسطس 2006م خبراً بعنوان «شركات سعودية تلاحق موظفًا أمريكيًا بتهمة الاحتيال»؛ ويبين الخبر أن هناك رجلا أمريكيًا تقدم للعمل في أكثر من شركة على أنه يحمل شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال؛ فتسابقت إليه العروض. وقد منحته إحدى الشركات 175 ألف ريال قيمة توقيع العقد، و120 ألف ريال بدل سكن، وسيارة فاخرة جديدة، وتسديد رسوم دراسة ابنته في مدرسة أمريكية في الرياض، وتسديد فواتير هاتفه. ولم يذكر الخبر راتبه، لكني أتوقع أنه لن يكون بأقل من ست خانات. ثم تبين بعد ذلك أن قدرات هذا الشخص متواضعة وأنه يتغيب أيامًا كثيرة من دون سبب؛ وبعد مراسلتهم للجامعة التي يدعي أنه حصل على الشهادة منها اتضح لهم أنها مزورة!

ومن الواضح أن هذا الخواجة يعرف جيدًا صورته في المخيلة السعودية، فصار يماطل، ورفض تسليم السيارة رغم متابعة عدة مكاتب للمحاماة له، فهو لا يزال -كما يقول الخبر- يسكن هانئًا في المجمع السكني وفي بطنه بطيخة صيفي! وحينما قدم نفسه على أنه يحمل شهادة دكتوراه كان يعلم أن مجتمعنا يهتم بالشهادات أكثر من المهارة، وإلا فإن خبرته ومهارته في بلده أمريكا تهبه مزايا أكثر مما يحصل عليها من خلال الشهادة؛ ولهذا فمن الجليّ أنه يعرف ماذا يريد السعوديون، ويعرف كيف يقدّم نفسه لكي تتطابق مع الصورة الخرافية التي في أذهاننا عنه. وقد نجح في إيهام أكثر من شركة بقدراته ونجح في الحصول على مبالغ مالية يعجز عشرون من أصحاب الشهادات العليا والخبرات الحقيقية عن تحقيقها مجتمعين.

المشكلة ليست في أنه شخص محتال، لأن المحتالين كثيرون وليس لهم جنسية محددة؛ لكن لكونه فقط أمريكياً أعطي كل تلك المبالغ الهائلة. ومما يجدر ذكره أن هذا الخواجة الذي نشرت قصته هو مجرد مثال لأشخاص آخرين استطاعوا الحصول على مغريات مالية ضخمة دون أن يكونوا جديرين بعشرها. وهناك قصص أخرى لأناس من جنسيات عربية يحصلون على الجنسية الأمريكية أو الكندية أو البريطانية؛ فيقدمون على وظائف في السعودية على أنهم خواجات ولايذكرون جنسياتهم الأصلية، لأنهم عرفوا اللعبة ويريدون الحصول على تلك المغريات المالية التي تعطى للخواجة. فهل وصل بنا الحال إلى هذه المرحلة؟

في مقابل صورة السيد الخواجة «المبجل»، سنجد صورة المواطن «المسحوق» والمغلوب على أمره، وهو يقذف كالكرة المشقوقة مع ملفه الوظيفي من مكان إلى آخر. فهذه سيدة سعودية حاصلة على درجة الماجستير بتقدير ممتاز من جامعة أمريكية عريقة ومرشحة دكتوراه، وتحمل كفاءة وخبرة تدريس جيدة من أمريكا. تقدّمت للتدريس في إحدى الكليات الأهلية بالرياض التي لديها مكان شاغر، وقد أعجبوا بمهاراتها العلمية واللغوية واستراتيجيتها في التعليم بعد إجراء مقابلة شخصية لها. ولكن إدارة الكلية بدأت تسوّف في توظيفها وتطالبها بأوراق مختومة من أمريكا، وكلما جلبت لهم ورقة طالبوا بغيرها حتى شعرت أنهم لا يريدونها. ثم تقدّمت إلى جهة حكومية ظنًا منها أن الأمر سيكون أفضل، وتوظّفت لتدريس الإنجليزية في إحدى الكليات التابعة للحرس الوطني في الرياض. وهذه المرة جعلوها تعمل أكثر من شهر ولم تدفع لها رواتب ولا بدلات الدوام الإضافي ولم يصرف لها كرت عمل مع أنها تشغل وظيفة محاضرة في الكلية. ووجدت نفسها تتعامل مع رئيسة عربية تمارس أساليب غير تربوية مع الطالبات وهيئة التدريس لأنها لا تريد أن يكون عندها سعوديات متميزات خشية على منصبها. وبعد فشل المحاولات الطويلة لهذه المواطنة معهم، قررت ترك العمل بعد أن حصلت فقط على جزء من أجرها، والجزء الآخر ضاع مع التسويف والتهرب المتكرر من عميدة الكلية ووكيلتها.

إننا نرى الفرق شاسعًا بين التعامل مع المواطنة حتى لو كانت شهادتها أمريكية، وبين السيد الخواجة حتى لو كانت شهادته من الشرق. الخواجة يُدفع له مقدم عقد، والمواطنة لا تحصل حتى على الراتب الذي هو حق طبيعي لها. الخواجة يدلّل ويهتم بأسرته ومصاريفه والمواطنة ليس لها إلا الوجه القبيح!

هذه المواطنة الغلبانة ليست سوى مثال لعدد كبير من المواطنين والمواطنات الذين يواجهون بسياط المهانة والبهذلة من الشركات والمؤسسات ولا يوظفون بسهولة، وإن وظفوا وُجدت عناصر تطفيشية كثيرة تجعلهم يكرهون العمل ويزهدون فيه. وقد يكون من أبرز الأسباب وراء ذلك كله هو كونهم أبناء هذا الوطن. هذا الوطن الذي يفترض أن يكون كريمًا على أهله بمثل ماهو سخي على غير أهله.

hujailan@alriyadh.com