هناك من يبحث عن حوار فكري أو نقاش علمي أو اجتماعي يحقق إضافة علمية، أو يثري قضية معينه بأفكار جديدة أو يساهم في حل مشكلة. وفي الجانب الآخر يوجد من يبحث عن طرح مثير للجدال السلبي الذي يصل أحياناً إلى تعمد الإساءة لأفراد أو مجتمعات أو مسلمات أو ثقافات. في الحالة الأولى سيكون الحوار مفيداً دون ضجيج، وفي الحالة الثانية سيكون ضجيجاً بلا فائدة. في الآونة الأخيرة كثرت العناوين التي تقول: تصريح مثير للجدل، تغريدة مثيرة للجدل، فتوى مثيرة للجدل.

وعندما تقرأ هذا المثير للجدل ستجد أن من وراء هذه الإثارة يتعمد الانفلات والتمرد على المنطق والثوابت من أجل كسب شهرة أو متابعين، وسوف يتراجع بعد ردود الفعل الغاضبة التي بحث عنها أصلاً ليقول إن ما قاله أسيء فهمه أو فصل عن سياقة.

أحياناً أستمع إلى حوار يتمرد فيه الضيف على أدب الحوار ويطلق عبارات وألفاظ مسيئة وقد يوزع التهم على الآخرين دون دليل، وفي ختام انفلاته يقول المذيع (جميل). هذه الكلمة تجعلني أتساءل: ما الجميل الذي قصده المذيع، هل يقصد أن كلام الضيف جميل، أم يقصد أن الجميل هو توقفه عن الكلام حتى يتسنى له الانتقال الى الفاصل؟

من يبحث عن الجدال الديني يلجأ الى اختراع الفتاوى التي لم يسأل عنها أحد ولم يقلق بشأنها أحد، كأنه يبحث عن شيء غير ضائع وكما يقول المثل الشعبي (يدور شيء ما ضاع له).

من يبحث عن الجدال السياسي يضع نظرية المؤامرة تفسيراً لكل حدث سياسي أو حتى غير سياسي.. من يبحث عن الجدال الاجتماعي يهاجم عادات وتقاليد مجتمع معين أو يمارس العنصرية.. من يبحث عن الجدال الثقافي سيقول لك إن الأديب الفلاني لا يستحق جائزة نوبل، وأن الشاعر الفلاني المشهور المبدع صاحب الشعبية الواسعة ليس بشاعر!

هل هناك جدال إيجابي؟ نعم، وهو الذي ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).. الجدال الإيجابي هو الذي يبحث عن الحقيقة وليس عن الإثارة.

والإيجابية تكون في الفكر وفي اللغة، والاستناد في الحوار إلى الأدلة والبراهين كوسيلة للإقناع. الجدال السلبي هو الذي يستخدم صاحبه أسلوب البذاءة وإطلاق الأحكام والآراء القاطعة، والجدال بغير علم وهو ما نهى عنه القرآن الكريم.

الجدال السلبي هو الذي لا يبحث عن الحقيقة بل يبحث عن نقيضها. من يمارس هذا النوع من الجدال يتمسك برأيه حتى لو تبين أنه خطأ فهو يمارس التعصب عن جهل أو لغرض التفاخر والشهرة. وإذا كان لهذا الأخير متابعين أو معجبين فهذا مؤشر على خلل ثقافي.