خطاب حقوق الإنسان منذ عقود يقع تحت نفوذ حكومات ومنظمات غربية لم تتمكن من تحقيق الحياد التام في تطبيق المعايير والمبادئ التي تنص عليها المواثيق المتعلقة بهذا الموضوع، ولم تستطع أن تتفهم الاعتبارات الثقافية للمجتمعات وهي اعتبارات لا تخرج عن الأساسيات

الإنسان له حقوق وعليه واجبات. لا يختلف أحد على هذه الحقيقة. ومن أهم حقوق الإنسان توفير الأمن. هذه مسؤولية جسيمة ولذلك كانت مسؤولية الحكومات في كل الدول أن توفر الأمن للجميع. من يعرض حياة الناس للخطر فهو يعتدي على حقوق الإنسان. من حق الحكومات في هذه الحالة إيقاف مصدر الخطر وإخضاعة للقانون. هذا تصرف يحدث من أجل حقوق الإنسان وليس العكس.

الإرهاب سواء صدر من أفراد أو منظمات أو دول هو أكبر خطر على أهم حق من حقوق الإنسان وهو الأمن.

خطاب حقوق الإنسان منذ عقود يقع تحت نفوذ حكومات ومنظمات غربية لم تتمكن من تحقيق الحياد التام في تطبيق المعايير والمبادئ التي تنص عليها المواثيق المتعلقة بهذا الموضوع، ولم تستطع أن تتفهم الاعتبارات الثقافية للمجتمعات وهي اعتبارات لا تخرج عن الأساسيات ولكن قد تختلف في بعض التفاصيل.

حين يتعلق الأمر بالأمن فليس من أسس حقوق الإنسان – كمثال - ضمان حق إرهابي قتل مئات الأبرياء، وتجاهل حقوق الضحايا.

عندما حدثت العملية الإرهابية التي نفذها المجرم الاسترالي الجنسية برينتون تارانت، وأدت الى قتل 50 شخصاً من المصلين في مسجدين في نيوزيلندا، كان من المثير للسخرية أن منفذ تلك الجريمة البشعة حين دخل السجن كان يطالب بحقوقه ويشتكي من ظروف السجن ويصفها بالمهينة.

من المهم هنا التأكيد على أن الإرهابين في أي مكان وأي جنسية يخضعون أساساً لفكر عنصري يتنافى بداية مع أسس ومبادئ حقوق الإنسان، وحين يترجم هذا الفكر إلى فعل إرهابي، فهل نراعي حقوق الإرهابيين أم حق الناس في الحياة بأمان. هذا الفكر العنصري فكر غير إنساني وغير منطقي بدليل أنه لا يعبر عن نفسه الا بالسلاح وتصفية الآخر، ولكن خطاب حقوق الإنسان المختطف خطاب صامت جبان لا ينطق إلا بعد حدوث المجازر، أو الدفاع عن حرية تعبير منفلتة تسيء للأديان أو للجنسيات وتسبب الفتن.

قبل عملية نيوزيلندا وفي عام 2011 قام إرهابي مدفوعاً بتعصب ديني وعنصرية ضد المسلمين والأجانب واليساريين، وضد الحزب الحاكم، بعملية إرهابية فجر فيها أحد المباني الحكومية ثم اتجه إلى معسكر صيفي في جزيرة أوتويا يرتادها الشباب والأطفال وقتل 68 منهم بدم بارد، وكان متنكراً بلباس البوليس. كان مجموع القتلى في العمليتين 77 شخصاً. المجرم اعترف بالجريمة وقال إنه غير نادم على ما فعل.

الواضح من المثالين السابقين، ومن أمثلة أخرى حدثت في أماكن كثيرة وجود تساهل مع الفكر العنصري المتطرف وعدم التعامل معه كخرق لمبادئ حقوق الإنسان بحجة أن الفكر حرية وحق إنساني. هنا خلل خطير يحد من اتخاذ إجراءات استباقية تمنع كارثة الإرهاب. هذه الفجوة بين خطاب الإرهاب وبين أساليب مكافحته قد تختفي في بعض الحالات تحت تأثير عوامل سياسية.

إن حرية التعبير كحق إنساني لا يمكن أن تكون مطلقة. إذا كان الفكر المطروح من قبل فرد أو منظمات يغذي الكراهية والعنصرية ويقود إلى أعمال إرهابية فهو في هذه الحالة خطر أمني وليس حق إنساني، ويصعب في هذه الحالة الاتفاق مع من يطالب بأن تكون حرية التعبير مقدسة.

إن حفظ أمن المجتمعات مسؤولية حكومية ومطلب تتفق عليه كافة الدول، ولا يتعارض مع حقوق الإنسان بل هو يؤمن هذه الحقوق. الخلل الأمني قد يبدأ بكلمة أو بتنظيمات فكرية متطرفة، أو قنوات إعلامية تعيش على نشر الفتنة ودعم الفوضى.

إن مراجعة خطاب حقوق الإنسان تعطي الانطباع بوجود خلل في الأولويات وحصر الحقوق في معنى محدود. عبر عن ذلك السيد اندرو كلافام مؤلف كتاب (مقدمة قصيرة عن حقوق الإنسان) كما يلي: (هناك من يصر على المعنى الضيق لحقوق الإنسان وحصرها في كونها إقراراً تاريخياً لواجبات محددة تضطلع بها الحكومات لمنع خرق الحريات التقليدية، لكن الرؤية الأوسع لحقوق الإنسان تسمح بالتفكير للتفكير في مشكلات من قبيل الجوع والفقر والعنف التي يواجهها المليارات من الناس).

من أجل حقوق الإنسان على العالم أن يتحد في مكافحة العنصرية وخطاب الكراهية والتطرف وكل الأسباب التي ينتج عنها عنف وأعمال إرهابية وأن يراجع أولوياته وفقاً للاحتياجات الإنسانية التي تحميه من الفقر والتشرد والجهل والمرض، وتحقق له الحرية التي لا تكون على حساب الأمن والسلام للجميع.