عندما تستدعي الحاجة بقاء الناس في بيوتهم فإن الأمر يستلزم فرض منع التجول من قبل الحاكم لمصلحة يراها ويغلبها، فيمتثل الجميع لهذا الأمر الذي فيه النجاة ونيل المقصود، ولم يكن هذا المنع وليد اليوم بل كان معروفاً منذ القدم، فقد شهد تاريخنا العربي والإسلامي هذا الأمر منذ قرون من الزمن، فعندما نتصفح التاريخ نطالع ذلك جلياً في عهد الخلفاء الراشدين، وتحديداً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي كان يعس طرق المدينة ليلاً -كما ثبت ذلك في الأثر- بعد أن يصلي العشاء ويذهب الناس إلى بيوتهم ليناموا ويغلقوا أبوابها عليهم، فلا يخرج أحد إلاّ من حاجة ملحة، فقد كان الناس لا يخرجون بعد العشاء لانعدام الحاجة إلى ذلك. فلا يعمل أحد في الليل والطرقات مظلمة وهدوء الليل مطبق، واستمر الحال كذلك.

ومن أشهر القصص في منع التجول وخصوصاً في الليل ما ورد أنه لما تولى الحجاج شؤون أرض العراق أمر أحد مرؤوسيه أن يطوف بالليل، فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان، فأحاط بهم وسألهم: من أنتم حتى خالفتم الأمر؟، فقال الأول:

أنا ابن الذي دانت الرقاب له

ما بين مخزومها وهاشمها

تأتي إليه الرقاب صاغرة

يأخذ من مالها ومـن دمهـا

فأمسك عن قتله وقال لعله من أقارب الأمير، فقال الثاني:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره

وإن نزلت يوماً فسوف تعود

ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره

فمنهم قيامٌ حولها وقعـود

فتأخر عن قتله، وقال لعله من أشراف العرب الكرام، وقال الثالث:

أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه

وقومها بالسيف حتى استقامت

ركاباه لا تنفك رجلاه منهما

إذا الخيل فـي يـوم الكريهـة ولـت

فترك قتله وقال لعله من شجعان العرب، فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج وأحضرهم، وكشف عن حالهم، فإذا بالأول ابن الـحــلاق، والثاني ابن بائع فول، والثالث ابن حائك ثياب، فتعجب الحجاج من قصائدهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ثم أطلقهم وأنشد:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من قال ها أنا ذا

ليس الفتى من قال كان أبـي

ضرورة قصوى

وفي تاريخنا المعاصر وفي الأمس القريب منذ عدة عقود فقد كان الخروج بعد منتصف الليل لغير حاجة أمراً يستدعي مساءلة صاحبه من قبل رجال «العسس» الذين يجوبون الأسواق والطرقات للقبض على المخالف ومساءلته فإن كان أمر خروجه لضرورة فيترك، وأما من خرج بغير حاجة فإنه يقاد إلى التوقيف ليعرض أمره في الصباح على مدير الشرطة أو أمير القرية لمحاسبته على ذلك، وإيقاع العقاب المناسب عليه، ونعيش في أيامنا هذه وضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا «كوفيد 19» المستجد منعاً للتجول في كافة مناطق المملكة من أجل الحد من انتشاره بعد صدور أمر ملكي بمنع للتجول في المملكة من السابعة مساء وحتى السادسة صباحاً ولمدة ثلاثة أسابيع اعتباراً من مساء يوم الاثنين الموافق 28 / 7/ 1441 هـ، ثم صدر أمر آخر في تحديد أوقات منع التجول من الساعة الثالثة عصراً إلى السادسة صباحاً في مدن الرياض، مكة، المدينة، جدة، وتضمن الأمر الملكي للجهات المعنية حث المواطنين على البقاء في منازلهم خلال المدة القادمة وبخاصة فترة منع التجول، وعدم الخروج إلاّ في حالات الضرورة القصوى في الفترة التي لا يسري فيها المنع، إذ إن المحافظة على الصحة العامة باتت من أهم الواجبات على أبناء هذا الوطن ومن يقيم على أرضه، ويستثنى من حظر التجول منتسوبو القطاعات الحيوية من القطاعين العام والخاص الذين تتطلب أعمالهم الاستمرار في أدائها أثناء فترة المنع، ويشمل ذلك منتسبي القطاعات.

رجال العسس

وكان منع التجول معروفاً في بلادنا منذ عقود قريبة وذلك من بعد صلاة العشاء قديماً إلى طلوع الفجر وانفلاق الصبح، ثم تأخر فيما بعد نظراً لانتشار الكهرباء والمحلات التجارية والمطاعم والصيدليات التي يمتد عملها إلى الليل ليكون بدء عمل العسس إلى منتصف الليل، وكان يتولى مهمة متابعة منع هذا التجول الذي اعتاد الجميع عليه رجال «العسس» ويطلق على أحدهم لفظ رجل «العسة» وكلمة عسّ كما في المعجم تعني طاف بالليل يحرس الناس، ويكشف عن اللصوص ونحوهم، وكان رجل «العسة» يتحلى بعدة صفات من أهمها الأمانة والقوة البدنية والشجاعة، إضافة إلى الفطنة التي تتطلب منه تقدير الأمور ووضعها في نصابها، وتبدأ مهمته تقريباً عندما ينام الحي فيظل مستيقظاً طوال الليل يحرس المنازل والأسواق والممتلكات الأخرى، يجوب الشوارع، وهو يحمل في يده عصا غليظة، وفي الأُخرى كشّافاً ليلياً، ويعلق في رقبته صافرة ينفخ فيها عندما يرى حركة من بعيد طالباً وقوف من تقع عليه عينه، كما أن هذه الصافرة يستفيد منها المراقب على هؤلاء العسس إذ يكون في البلدة الكبيرة غالباً أكثر من رجل عسة يتوزعون في الأحياء فيقوم المراقب عليهم ورئيسهم بتفقدهم أثناء العمل فإذا مر بمنطقة أحدهم قام بإطلاق صوت من صافرته ثم ينتظر حتى يقوم من يعمل في هذه المنطقة بمبادلة صوت صافرة المراقب بـصوت صافرة مماثل مما يعني أنه يقظ ومستمر في أداء عمله ولم يغلب عليه النعاس، أما إذا لم يستمع المراقب إلى صوت صافرة رجل العسة فإن هذا يعني أنه نائم أو قد ذهب وترك عمله، فيقوم بالإجراء اللازم معه كي لا تتكرر منه هذه المخالفة مستقبلاً، وتظل طوال الليل لا ينقطع صفيرها هنا وهناك معلنةً عن وجوده المستمر واستيقاظه الدائم، وقد كان تردد صوت هذه الصافرة يمنح سكان الحي مزيداً من الطمأنينة والسكينة، وعندما يتم القبض على أحد المخالفين فإنه يتم سجنه حتى الصباح ليتم عرضه على مدير الشرطة، أو على أمير البلدة إن لم يكن بها مركز للشرطة ليقوم بإيقاع العقوبة عليه وتأديبه.

سيارة بكب

وبعد أن تقدم الزمن وشمل التطور شتى مناحي الحياة واستبدلت المباني الطينية بالمباني المسلحة وكثرت الأحياء وتناثرت فيها البيوت وأنشئت الحدائق وافتتحت المطاعم، بات عمل رجال العسس محدوداً وبات كل رجل عسة يستخدم سيارته الخاصة في العمل، فيقوم بالذهاب إلى مركز الشرطة عند الثانية عشرة ليلاً ويوقع في سجل الحضور والانصراف الخاص بهم، وبعد صلاة الفجر يعود إلى مركز الشرطة لتوقيع الانصراف ومن ثم يذهب إلى منزله، ويتم تحديد مكان لكل واحد منهم خلال عمله ليقف بسيارته ويتولى حراسة المكان الذي يحدد له من قبل الشرطة، وكانت جل سيارتهم من نوع «بكب»، حيث كان كل شخص يفرش فراشه في صندوقها، ويظل مستيقظاً إلى وقت الفجر ليغادر بعدها إلى منزله، وقد كانت الغالبية العظمى منهم من كبار السن، ومنذ حوالي نصف قرن اختفى رجال العسة من الأحياء، وخلت منهم الديار، وباتوا من الذكريات للزمن الجميل بعد أن تولت مراكز الشرطة والدوريات الأمنية في شتى مناطق المملكة حفظ الأمن واستتبابه.

منع التجول

وفي ظل الأوضاع التي تعيشها بلادنا في مواجهة فيروس كورونا -كوفيد 19- المستجد، وضمن الإجراءات الاحترازية والوقائية التي فرضتها الدولة -أيدها الله- فقد فرضت منع التجول، حيث صدر أمر ملكي بمنع التجول في المملكة من السابعة مساء وحتى السادسة صباحاً ولمدة ثلاثة أسابيع اعتباراً من مساء يوم الاثنين الموافق 28 / 7/ 1441 هـ، وتضمن الأمر الملكي للجهات المعنية حث المواطنين على البقاء في منازلهم خلال المدة القادمة وبخاصة فترة منع التجول، وعدم الخروج إلاّ في حالات الضرورة القصوى في الفترة التي لا يسري فيها المنع، إذ إن المحافظة على الصحة العامة باتت من أهم الواجبات على أبناء هذا الوطن ومن يقيم على أرضه، ويستثنى من منع التجول منتسوبو القطاعات الحيوية من القطاعين العام والخاص الذين تتطلب أعمالهم الاستمرار في أدائها أثناء فترة المنع، ويشمل ذلك منتسبي القطاعات، ويعاقب من يخالف أحكام منع التجول كما أوضحت وزارة الداخلية بغرامة قدرها 10 آلاف ريال، وتتضاعف في حال العود، فإن عاد المخالف إلى ارتكاب المخالفة بعد ذلك فيعاقب بالسجن لمدة لا تزيد على 20 يوماً، بموجب قرار من سمو وزير الداخلية، ويعاقب بعقوبة السجن المشار إليها كل مخالف لم يمتثل للسلطات المختصة بتنفيذ المنع، ولا يسري على حالات الضرورة القصوى بما في ذلك الحالات الصحية الطارئة وفقاً لما تحدده الجهة المختصة، ليبرز المواطن في هذه الأزمة بالتزامه ووعيه أمام الجهات المسؤولة عبر البقاء في منزله حمايةً لوطنه، ومن يعيش على أرضه.

الأسواق القديمة شهدت عمل رجال العسس ليلاً
في الماضي رجال العسس أدوا أدوارهم بكل اقتدار
العاصمة الرياض خلال منع التجول وامتثال الجميع
متابعة منع التجول
رجال الأمن موجدون تحت أي ظرف