ستنجلي غمة «كورونا» وسيتطاير غبارها، وينطفئ أوارها بحول الله وقوته، وربما تكون نسيًا منسيًا، وستودع إلى عوالم التاريخ وأضابير الكتب والمراجع العلمية الصحية، وسيبقى خلفها سؤال واحد يتردد في جنبات العالم وهو: كيف سيكون العالم بعد «كورونا»؟

الإجابة الأولى أتت من وزير الخارجية الأسبق هنري كسينجر الذي قال: «الحقيقة التي يجب أن تُعرف أن العالم سيتغير بشكل واضح، فما بعد «كورونا» بالطبع سيكون مختلفًا عما قبله».

وهذا الوصف الذي يقدمه كيسنجر إنما يأتي من رجل خبر الخفايا السياسية ردحًا من الزمن، وجال في ميادين الديبلوماسية، وبالتالي فعندما يقول مثل هذه العبارة فإنه ينظر برؤية الخبير المتمكن.

وبدوره، يقول الكاتب ستيفان والت: «هذا الوباء سيعزز القومية، وستتحول السلطة من النفوذ الغربي إلى المعسكر الشرقي»، بينما يعتقد الكاتب روبن نيبلت: «كورونا هي القشة التي قصمت ظهر العولمة الاقتصادية». ويرى الكاتب شانون أونيل أن «الفيروس قوض المبادئ الأساسية للتصنيع العالمي»، أما الكاتب جون وال فيقول: «ستستمر أزمة الفيروس في خفض الاقتصاد، وزيادة التوتر بين البلدان، وستعاني الدول من الإجهاد المجتمعي».

السؤال الذي يمكن طرحه أيضًا بعد وصف كيسنجر والكتاب من بعده هو: كيف ستتعامل الدول مع الوضع المقبل؟

أجزم يقينًا بأن التعامل سيشمل الجانب السياسي والتموضع الذي ستختاره كل دولة، والانفتاح الذي تسعى له الدول، وسيشمل كذلك الجانب الاقتصادي الذي سيفرز لنا ربما تكتلات جديدة، وستميل الكفة الاقتصادية لقوى كانت تحتل مراكز متأخرة نوعًا ما.

وفي هذا الجانب، يمكن تجاوز الجانب الصحي والرعاية الصحية، الذي شهد سقوطًا ذريعًا في بعض الدول الكبيرة، وستركز الدول على تجديد هذا النظام المهم جدًا، والاستفادة من الأنظمة التي نجحت وباقتدار في الوقوف في وجه الفيروس سريع العدوى، كما في النظام الصحي في اليابان وكوريا الجنوبية، وألمانيا على الصعيد الأوروبي، ولا يمكن تجاوز النظام الصحي في المملكة الذي نجح نجاحًا لفت إليه الأنظار في الحؤول دون انتشار هذا المرض المعدي.

ولن يكون النظام الاجتماعي بعيدًا عن اهتمام الدول مستقبلًا من حيث التكافل، ورعاية حقوق المسنين وخلافهما.

بعد هذه الأزمة لا بد للدول، خصوصًا النامية منها، العمل على دفع مشروعات الأمن الغذائي والرعاية الصحية إلى الواجهة؛ لتفادي الفشل من جديد فيما لو تعرضت هذه الدول لانتكاسات مشابهة في المستقبل.