يقول عبده خال على لسان إحدى شخصياته الروائية «تمنحك الحياة سرها مُتأخرًا حين لا تكون قادرًا على العودة للخلف»..

يالهول العبارة وهي تنتصب أمامك مختالة بحقيقتها الموجعة والقاسية، وهي تضرب بعرض الحائط كل غرور يركن إليه الإنسان بعد زمن طويل يعيشه كل واحد منا، مُتنقلًا بين أحلامه وأمنياته وآماله وإنجازاته، ظانًا أو معتقدًا أنه على الجادة، أو أن الجادة قريبة جدًا، وفي الأخير كل هذا لم يكن إلا غرور، يا للعجب!! كيف يُمكن أن تكون للحياة هذه القوة وهذا الدهاء وهي ما فتئت تأخذنا على حين غِرة، حتى تأتي بِسرها متأخرًا حين لا يكون لأي واحد منا القدرة على أن يعود؟

ويا ليت بوسعي أن أسأل شخصية عبده خال الروائية، ما هذا السر الذي يأتي متأخرًا بعد نفاد كل محاولات النجاة من فِخاخ الحياة؟

الجميل في الموضوع أنه إذا ما نظرنا إلى مصطلح السر بنظرة فلسفية، فإننا نجد أن سر وجود الإنسان يكمن في نظرته وفهمه لهذا الوجود، وبشكل دقيق تفترض النزعة الإنسانية أن هناك سرًا جوهريًا داخل كل إنسان يُعد مصدرًا مهمًا لصناعة معانيه وأفهامه وتكيُفه مع سياقاته المختلفة وظروفه، وذلك من خلال العقل والوعي والفاعلية، فإذا ما كان هذا السر هو الذي يعيش عليه الشخص في حياته، إذن فما السر الذي يأتي متأخرًا؟

لعل الأسرار المتأخرة لا تُقدم شيئًا سوى جرعة الندم، حتى هذا الندم قد لا يحدث إذا ما جاءت متأخرة جدًا عندما لا يكون الشخص قادرًا على أن يشعر، تمامًا مثل الإجابات التي نتذكرها بعد انتهاء مدة الأسئلة، فلا فائدة منها، أو كتلك الكلمات العاطفية التي نقولها عند رحيل من نحبهم، فلا يسمعونها.

إن الشيء الذي لا يأتي في وقته من الأجدر ألا يأتي بالمرة، هذه هي الحقيقة، وهذا هو السر الذي يكمن في داخل كل منا، أن تأتي الأشياء في وقتها وحسب، وأن تمنحنا الحياة أسرارها الجميلة في كل حين، في محاولة منها أن تأخذ بأيدينا نحو الفعل الإنساني المستمد من الفطرة السليمة السوية في دواخلنا مدفوعة بالرحمة والمحبة والخير تجاه هذا العالم وهذا الوجود.