جاءت أزمة كورونا لتعيد ترتيب أوضاع الأسرة، فالعالم كان شهد تفككاً أسرياً، خاصة في المجتمعات المتحضرة التي انحصر اهتمامها في الأمور المعيشية والاقتصادية، وأهملت الأسرة التي هي ركيزة المجتمع، وهو ما لا يخفى على المتخصصين من علماء الاجتماع؛ فالآباء والأمهات عانوا كثيراً ما يعزوف عن الاجتماعات الأسرية والتواصل الأسري، مما خلق شرخاً في البنية الأساسية للأسرة مما نتج عنه تفكك في أركانها. إن فقدان التواصل الأسري هدد مجتمعات كثيرة وخلق سلوكيات اجتماعية مستحدثة غريبة، جعلتنا قلقين على مستقبل أسرنا. 

إن معظم تلك السلوكيات الغريبة على الأسرة تهدد بأن تهوي بالفرد وبالمجتمع إلى هاوية عميقة يصعب الخروج منها بسهولة. 

والآن جاء كورونا ليجعلنا نعيد مراجعة أنفسنا من حيث إعادة الترابط والتواصل الأسري. فهل كورونا أسدى للعالم معروفاً كبيراً لنوقف عشوائية وتفكك الأسرة؟. صحيح إن أزمة كورونا مخيفة، وإننا وجلون لما يحدث يومياً على مستوى العالم وما ينتج من جراء هذه الأزمة من حجز وحجر ووفيات أياً كانت جنسياتهم وأعراقهم ودياناتهم، فنحن جميعاً إخوان في الإنسانية نعيش على هذه القرية المسماة بكوكب الأرض.

إن لكورونا جانباً مشرقاً جعل الأسر تلتف وتمضي وقتاً كبيراً مع بعضها البعض. فالآباء والأمهات أصبحوا في المنزل أغلب اليوم مع أبنائهم يتعايشون معهم ويتفاعلون مع وجودهم، يتعرفون عليهم من جديد، يتلمسون اهتماماتهم وتوجهاتهم ويقومون بتوجيههم وتقويمهم وإعادة صقلهم بالطريقة الصحيحة، فقد كان الشارع والتجمعات والمقاهي والمدارس والجامعات ومنازل الأصدقاء والمكوث على الهواتف الجوالة لساعات طويلة هي من كانت تربي وتوجه الشبان وتجمعهم حتى بعض كبار السن، نراهم وقد تغير أسلوب ونمط حياتهم. أما الآن فقد عاد الأبوان إلى عشهما وبيتهما الدافئ، ليكونا حاضرين على الدوام، ولينقذوا ما يمكن إنقاذه، فيما يخص أبناءهم وسلوكياتهم. ليس ذلك فقط، بل حتى الأبوين أخذا يعيدان ترتيب العلاقة فيما بينهما كونهما يمضيان كل الوقت وهما تحت سقف بيتهما. الأب حاضر دائماً لا يمكنه أن يخرج للقاء أصدقائه في المقهى أو الديوانية، لا يزاول أي نشاط غير تلبية احتياجات أسرته والمكوث معها على مدار الساعة. والأم أيضاً لا يمكنها الخروج إلى تجمعات صديقاتها أو قضاء الأوقات في الصالونات وحفلات الزفاف والمناسبات التي عادة ما تستغرق وقتاً طويلً جداً. الآن الزوجان يعيدان التعرف على بعضهما مرة أخرى واكتشاف كل طرف للآخر من جديد الأمر الذي سيخلق ألفة مضاعفة بينهما كادت أن تكون مفقودة نهائياً بمرور الأيام وخصوصاً فيما سبق الأزمة.   

آمل أن يستمر الوضع بعد انتهاء الأزمة في القريب العاجل، إن شاء الله كما هو الآن، وأرجو أن تعود الحياة التي كنا نعرفها إلى سابق عهدها. 

أرجو فعلاً أن تتم الاستفادة من هذه الأزمة، على الصعيد الأسري وأتمنى أن ينعكس على أسرنا ومجتمعنا بشكل عام.