بعض الناس قد تتاح له فرصة الحصول على منصب ومركز وظيفي مهم، يكون بمنزلة الفرصة أمامه للدخول إلى عالم النجاح والتميز وتسجيل الأثرين الوظيفي والاجتماعي، بينما هناك من يرى المنصب والمركز الوظيفي فرصة للراحة والوجاهة واستغلاله لأغراض شخصية بحتة؛ لذا لا تقاس حياة الأشخاص بطولها إنما بإنتاجها وفاعليتها، وكذلك لا تقاس الشعوب بأعداد أفرادها إنما بفاعليتهم وإنتاجهم، فقلة مجتمعة خير من كثرة متفرقة.

على متن رحلة طائرة نحو مهمة رسمية استمرت 12 ساعة، أدلى سمو الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض وفقه الله، ببعض تطلعاته المستقبلية وخبراته وذكرياته في المناطق التي بدأ فيها تاريخه الوظيفي بداية من الرياض ثم عسير فالقصيم ثم عاد إلى الرياض، فجميل أن يتحدث الإنسان الناجح عن تجاربه ونجاحه، والأجمل أن تكون تلك التجربة صادرة من المسؤول الأول في منطقته، والأجمل من ذلك كله أن يكون التعبير عنها ومشاركة الآخرين ببساطة وعفوية وبلغة مشتركة.

اعتدنا في لقاءات وزيارات سموه اهتمامه بالإنسان وحرصه على الالتقاء به والتواصل معه، وهي رسالة يؤكدها سموه في كل زيارة يقوم بها لأي محافظة، وهذا تماشيًا والتزامًا مع العناية الربانية بالإنسان، التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، أليس هذا الخليفة - أي الإنسان - بحاجة إلى تكوين وإعداد وتنمية ليقوم بمهماته التي كلفه الله تعالى بها من عمارة الأرض في شتى المجالات والأنشطة سواء العلمية أو الصناعية أو التجارية أو الطبية أو الفكرية.. نعم سمو الأمير الاهتمام بالإنسان اهتمام بالأوطان، ففي أكثر من موقف خلال زياراته أظهر سموه تفاعلاً راقيًا مع الأهالي يعكس مدى اهتمام المسؤول الناجح بحياة المواطنين، من مباسطة للأطفال وتشجيع للشباب وإشادة بالأبطال حينما طلب سموه من أحد الجنود المصابين في الحد الجنوبي أن يأخذ معه صورة مما يعكس القيمة الأخلاقية للإداري الناجح.

لقد تحدث سموه باختصار عن تجربة امتدت 50 عامًا في الإدارة السياسية والاحتكاك بالناس والقرارات الكبيرة وما بينها من نجاحات وتحديات، مستذكرًا تجربته في عسير بقوله: عسير لا أنساها أبدًا؛ حيث اكتسبت منها خبرة كبيرة، وهي رسالة أن هناك فرقًا بين التأهيل العلمي والخبرة الوظيفية، فالتأهيل عبارة عن وثيقة رسمية تثبت نجاح الإنسان في دراسته في الجانب النظري، أما الخبرة الوظيفية فهي عبارة عن تجارب صقلت الإنسان ومدته بالمهارات اللازمة لفهم ظروف بيئة العمل والنجاح فيها من خلال التعلم من الأخطاء.

50 عامًا من الثقة الملكية، هي رسالة قوية بأن المركز الوظيفي ليس هو النجاح بذاته، بل النجاح في المحافظة عليه من خلال الإنجاز الوظيفي وكسب ثقة القيادة، والسعي نحو إضافة نجاحات جديدة تضاف إلى نجاحات الآخرين، وقبل كل شيء التوازن بين الحزم الإداري والتواصل الإنساني، وفق الله سموه وبارك في جهوده الإنسانية والوطنية والاجتماعية.