هناك من يستفيد من تلك العبرة بالفعل، ويتلّقى تلك الدروس بقلب واعٍ، وذهن متفتح، ومنهم من لا يُلقي لها بالاً، وكلما عظم وقع التجربة كانت الدروس المستفادة منها أكبر

لا تمرُّ بالإنسان تجربة عصيبة سواء كانت عامة أم خاصة إلا كانت مهيأة لكي يستفيدَ منها دروساً وعبراً، ولكن هناك من يستفيد من تلك العبرة بالفعل، ويتلّقى تلك الدروس بقلب واعٍ، وذهن متفتحٍ، ومنهم من لا يُلقي لها بالاً، وكلما عظم وقع التجربة كانت الدروس المستفادة منها أكبر، والعالم اليوم يعيش وضعاً استثنائيّاً نتج عن جائحة كورونا، والمتبصِّرُ يستفيد من الوضع الحالي تجارب كثيرة منها:

أولاً: عظمة نعم الله تعالى التي يتقلّب فيها الناس في حياتهم الطبيعية الخالية من النوازل، حين ينعم المرء بالعافية ويعيش حياته كما تيسر له هادئاً مستقراً لا يقضّ مضجعَه الخوف من مكروهٍ مُحدّدٍ، ونعمة العافية قلَّ من الناس من يقدرها حق قدرها، بل كثيرٌ منهم لا يستشعر أنها نعمةٌ أصلاً، مع أنها لا توازيها أملاك الدنيا، ومصداق ذلك حديث عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» أخرجه الترمذي وغيره، وحسنه الألباني، ومن مِنا لا يتمنى أن يصبحَ ويمسي أسابيع لم يسمع خبراً عن اكتشاف إصابة بكورونا؟ ومن منَّا لا يتشوق إلى أيام مضت يزور فيها ويُزار، ويستضيف ويُستضاف، ويمضي الليل مستأنساً مع رفاقه لا يُرهقُهُ إلا ثواني الانتظار أثناء الوقوف في انتظار دوره في المعانقة والمصافحة الحارَّة، تلك نعمٌ عظيمةٌ كنَّا نتمتّع بها ونتخيّل أنها روتين حياة فحسب، وما هي إلا منحةٌ منحنا الله تعالى إياها.

ثانياً: من ذاق مرارة التوتر الناجم عن الخوف من هذا الفيروس، وجرَّب هول كون المرء مترقباً لمكروهٍ لا يدري هل يُصادفُهُ وهو يتبضّع لعياله أو يخرج في بعض شؤونه التي لا بدّ منها، من جرّب هذا استشعر أن الأمن نعمةٌ لا تُضاهى، وفَهِمَ كيف كان الأمن شديد الأهمية في الشريعة الإسلامية، ويكمن ذلك فيما لا يُحصى من أحكامها ورخصها وآدابها، ومن ذلك وضوح أدلتها الدالةِ على تجريم شقِّ العصا وتحريم زعزعة الأمن والاستقرار، وحضِّ الناس على السكينة، كما أن من أدرك أهمية الأمن عَلِمَ أن تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن من صميم شفقته بأمته، وحرصه على مصلحتها، وثمَّن الجهود التي يقوم بها المصلحون والعقلاء في سبيل إقامة السدود المنيعة التي تحول بين المجتمع وبين الأفكار الهدامة التي تُروِّجها الجماعات المنحرفة، وتتبنّاها الفئات الإرهابية، وأيُّ مجتمعٍ تهاونت سلطته أو تهوّر مجتمعه فطبّق أجندة تلك الجماعات الإرهابية ذاق ويلات المآسي.

ثالثاً: نحن في المملكة العربية السعودية نأمل أن ينحسر عنا هذا الوباء بأقل الخسائر الممكنة؛ وذلك بفضل الله تعالى وبيده الخير كله، وبه نعتصم، وله نمحض العبادة، ثم بالجهود والأسباب المشروعة التي تفضّل علينا سبحانه بتوفيق دولتنا المباركة إلى المبادرة إليها، إضافة إلى التزام الشعب بتعليمات الجهات المسؤولة، وليست هذه الجائحة بأول معضلة سلمنا الله تعالى منها بفضله ورحمته، ثم بحكمة وليِّ أمرنا وبوعي شعبنا ووقوفه صفاً مرصوصاً خلف ولي الأمر، فمن قبله جائحة الإرهاب العاتية التي انحسرت عنا، وجائحة الشغب العنيف الـمُسمّى زوراً بالربيع العربي التي ارتدّت عنا خاسئة، وما من معضلة تواجه المجتمع إلا وتهون إذا وفق الله قيادته لاتخاذ الأسباب المشروعة، ووفق شعبه للسمع والطاعة والوعي، ونحن نرى أن الدولة قد قامت بواجبها تجاه جائحة كورونا، ويبقى أن يقوم الشعب بواجبه وهو الالتزام التام بالتعليمات الصادرة من قيادته.

رابعاً: التدابير أسباب مشروعة يتخذها الإنسان تفادياً للشرِّ، وهي كسائر تدابير الناس المتنوعة التي ألهموها لجلب المصالح ودرء المفاسد، ولا تنافي التوكل على الله، فلنتوكل على الله ولنفوِّض إليه أمرنا مع الأخذ بالأسباب؛ فإن إهمال الأسباب ليس توكلاً، بل هو تواكلٌ مذموم، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على الجمع بين التوكل والتسبب كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِك رضي اللهُ تعالى عنه، قال: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدَعُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» أخرجه الترمذي وهذا اللفظ لغيره، وحسّنه الألباني، بل إن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية مليئة بالجمع بين التوكل والتسبب كما يظهر في تدابيره حين عزم على الهجرة قبل الخروج من بيته، وإيوائه إلى الغار، وتدابيره المتنوعة في مغازيه كحفر الخندق، وغير ذلك مما لا تخطئه عين قارئ السيرة النبوية العطرة، فعلى المسلم أن لا يُخلَّ بالتوكل ولا بأخذ الأسباب، وأن يكون قلبه متعلقاً بالله تعالى.