أو ماذا سمعت، كيف استمتعت، أشبعت روحك، حلقت في سماء أخرى. تتذكر ذلك الآن، وأنت لا تستطيع. كم مرة اعتذرت عن حضور معرض فني، لأنك مشغول، أو لأنك لا تريد. كم مرة استغنيت عن الاستماع إلى الفنانين يتحدثون عن أعمالهم أو أعمال غيرهم. تتذكر الآن وتقول، ستقل اعتذاراتي من الآن فصاعداً، أو بعد أن ينتهي ما نحن فيه وصاعداً.

أحب مشاهدة الأفلام، مسترخية على كنبتي، أستطيع مشاهدة حلقات طويلة وكثيرة من مسلسل واحد في جلسة واحدة، وأحب قراءة الكتب، أقرأ كتاباً أو اثنين في الأسبوع. أكتب عن الأفلام التي شاهدتها والكتب التي قرأتها. لكنني سأفتقد الكتابة عن المعارض التي حضرتها، المتاحف التي زرتها، الحفلات الموسيقية، المعالم الفنية التي تملأ البلدان التي أزورها.. أغمض عيني وأتذكر.

كتبت عن الأماكن التي زرتها في سانتو دومينيغو، كان ذلك الأسبوع الماضي، وكتبت عن حفلة ماريا كالاس التي حضرتها في الأورفيوم في فانكوفر الأسبوع الذي يسبقه، نسيت أن أتحدث عن جمال المسرح، عن اللوحات التي تغطي سقفه، عن أبهة المبنى والأزياء التي ترتديها النساء اللاتي حضرن الحفل ذلك المساء، لكنني أغمض عيني وأرى، أرى كل ذلك، وأسمع الموسيقى، وصوت ماريا كالاس وحركاتها.

كتبت عن فيلم الجوكر، لكنني لم أكتب أنني حضرته في السينما، مع ولدي. خرجنا من المنزل خصيصاً كي نحضر العرض، بهرنا الفيلم، وبهرتنا الشاشة الكبيرة، الجو الساحر الذي تعيشه وأنت تحضر فيلماً في السينما لا يشبه شيئاً آخر، أنت هناك بكل مشاعرك، حين تحبس أنفاسك، تعرف أن كل الموجودين حواليك يحبسون أنفاسهم، أنت وهم تضحكون على ذات المشاهد، تشعر معهم بأنك إنسان، معهم، مثلهم، تحملون نفس ردات الفعل لنفس المشاهد، أنت واحد من مجموع. ويشعرك ذلك بالأمان.

أتذكر موسم الطائف، سوق عكاظ وحديقة الورد، الموسيقى، الحياة، الناس، الجمال، الشعر، الخيول، الحقيبة التي صنعتها سيدة سعودية والتي تباهيت بها أمام أصدقائي من كندا. فقط أغمض عيني وأتذكر.

أتذكر متاحف لندن الكثيرة والباهرة، أتذكر متحف البورتريه الذي عشقته وكنت أتأمل الطلاب الذين جلسوا يفردون أوراقهم ويحاولون تقليد ما يرون بطلب من المعلم.

معرض الكتاب في رين، ولقائي بكتاب ومنظمين لأول مرة، معرض صغير، للفرنسيين، كنت معهم، أعرض كتابي وأحاول أن أتواصل مع جمهور لا يتحدث الإنجليزية. المدينة الصغيرة الجميلة بمبانيها العجيبة. أغمض عيني وأتذكرها.

الآن.. وأنا مثل كل البشر في العالم.. لا أستطيع الخروج من منزلي سوى للضرورة القصوى، أغمض عيني وأتذكر، وأحمد الله أنني رأيت كل هذا الجمال في العالم. وأقول: سأرى أكثر، حين تزول هذه الغمة، حين يعود العالم. أتمنى فقط أن يشتاق العالم للجمال، كي يصنع جمالاً أكثر حين يعود.