شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي حضوراً جميلاً كسر رتابة وجمود المؤسسات الإعلامية وبيروقراطيتها فضلاً عن خطابها النخبوي المتعالي؛ وقد شاهدنا العديد من البرامج الخفيفة والبودكاستات التي نهضت بدور إعلامي واجتماعي وثقافي لافت. من هذه البرامج "برنامج ثمانية" الذي شهد حضوراً جميلاً وقدم لنا خليط من الشخصيات ذات التنوع والمشارب المختلفة في قالب بسيط متخفف من اللغة والخطاب النخبويين العسيرين والمنفّرين أحياناً.

ومع هذا التقدير للبرنامج ومقدمه الزميل عبدالرحمن أبو مالح إلا أن هذا لا يمنع من تسليط الضوء على بعض الملاحظات خصوصاً وهو من البرامج التي نعول عليها، وعلى نظيراتها أن تكون منصّات وعي وحضور إيجابي يستثمر هذا الفضاء الرحب.

مؤخراً عرض البرنامج حلقة عن الكاتب والأديب محمد رضا نصرالله؛ وهو صاحب تجربة مهمة خصوصاً على المستوى البرامجي؛ إذ شكلت برامجه العديدة: "هذا هو" وبرنامج "الساعة تدق" وغيرها استضاف عبرها أهم الشخصيات الثقافية عربياً بل إنه انفرد بلقاءات حصرية مع شخصيات فكرية وفلسفية مهمة مثل الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي وغيره. إلا أن الملاحظ هو تواضع الطرح وصياغة الأسئلة بل بدأ أن هناك ضعفاً فادحاً في الإعداد للقاء مثقف كبير ومخزون ثقافي مهم كان بالإمكان استقطار ذاكرته وتقديم حوار عميق وثري يكون مادة خصبة وذاكرة للأجيال.

ربما نلتمس العذر للمذيع أبو مالح لأن المجال الثقافي بحكم نخبويته وطابعه التخصصي الذي يحتاج لخزين ثقافي وخلفية معرفية كافية خصوصاً عن الضيف وتاريخه وأبرز محطاته ومناكفاته الصحفية. كانت الأسئلة متواضعة جداً لا تعكس أي عمق ثقافي ولا خلفية كافية بتاريخ الضيف كما أن العنوان للحلقة "الرجل الذي أرشف مثقفي العرب"؛ حيث إن نصرالله أكبر من أن يكون مؤرشفاً والضيوف في برامجه ليسوا ملفات كما يوحي العنوان.

أيضاً ومع الإيمان بحرية الجميع في مظهره أمام ضيوفه لكن ثمة تساؤل برئ عن المذيع: ولماذا التبسّط في اللبس أمام ضيوفه خصوصاً وهم يحضرون بكامل أناقتهم وتهندمهم في حين يأتي هو حاسر الرأس، وقد يبدو مظهره لا يمنح التقدير المفترض للضيوف؟

إجمالاً نتطلّع أن يجد هذا النقد المحب صدى إيجابياً سيما وأن الهدف هو أن يظهر شبابنا وبرامجهم كما نريد ويريد المحبون لهم من حسن إعداد وظهور يعكس جمال طرحنا، وكذا المرحلة المستنيرة التي يشهدها مجتمعنا وثقافتنا الواعدة بالأجمل.

عبدالرحمن أبومالح