أصدر خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- الأسبوع الماضي عدداً من الأوامر الملكية، التي بمقتضاها تم إعفاء وزراء من مناصبهم وتعيين وتكليف آخرين بحقائب وزارية واستحداث وزارات جديدة وإعادة هيكلة لوزارات وهيئات حكومية حالية.

إن المتعمق في الأوامر الملكية يتضح له بُعد النظرة الثاقبة التي يتحلى بها الملك سلمان، سيما وأن المملكة تعيش منذ انطلاقة رؤيتها الطموحة 2030 حراكاً اقتصادياً وتنموياً واجتماعياً غير مسبوق شهد له القاصي والداني، والذي تطلب بدوره من أجهزة الدولة ومسؤوليها تفاعلاً نوعياً غير مسبوق أيضاً، يبعد كل البعد عن الأسلوب التقليدي الرتيب الذي تعودت عليه أجهزة الدولة في إدارة دفة أعمالها في الماضي قبل انطلاقة الرؤية وتعاطيها مع المستجدات والمتغيرات، وبالذات وأن سرعة وتيرة المستجدات والمتغيرات تتطلب التعاطي معها بأسلوب غير تقليدي يعتمد إلى حد كبير على سرعة التفاعل معها بشكلٍ استباقي وليس لمجرد ردة فعل، وأيضاً بشكل سريع وفوري، مبتكر ومبدع وكما يقولون وفق نظرية التفكير خارج الصندوق Thinking out of the box.

كما أن الجمع بين مهام ومسؤوليات أجهزة حكومية متشابهة في تعاملاتها وخدماتها المقدمة للمستفيدين من المواطنين والمقيمين تحت مظلة واحدة كوزارتي العمل والتنمية الاجتماعية ووزارة الخدمة المدنية وكذلك الفصل بين مهام وزارات أخرى كوزارة التجارة والاستثمار ليصبح كل منهما نشاطاً مستقلاً بذاته، وأخيراً تحويل هيئات إلى وزارات كالهيئة العامة للرياضة والهيئة العامة للاستثمار والهيئة العامة للسياحة لتصبح وزارات مستقلة؛ دليل آخر على نظرة الملك العميقة في مجال الهيكلة الإدارية لأجهزة الدولة، وبالذات وأن هناك إما تقاطعات عديدة ببعض مهام الأجهزة الحكومية أو أنها من المهم جداً أن تنفصل عن بعضها البعض وتكون مستقلة بذاتها كالاستثمار على سبيل المثال أو أن ترتقي لمستوى وزارة كالسياحة والرياضة مثلاً.

إن تحويل جهاز الدولة إلى جهاز منبسط الهيكلية والتنظيم Flat Organization Structure بخلاف الجهاز الإداري المتصاعد أو التصاعدي High Ranking Organization Structure، دون أدنى شك سيساعد على سهولة تقديم الأجهزة الحكومية لخدماتها لمستفيديها والمتعاملين معها، بما في ذلك انسيابيتها بعيداً عن التعقيدات والبيروقراطية الإدارية، كما أن ذلك سوف يخفف من حدة ووطأة الترهل الإداري بأجهزة الدولة، والذي بدوره سيخفض من حدة التكاليف الإدارية والتشغيلية للدولة نتيجة لإلغاء العمليات المكررة والأنشطة المتكررة، بما في ذلك القضاء على التداخلات والتشابكات Overlapping غير المرغوبة.

أخيراً وليس آخراً، إن الفصل بين بعض المهام والمسؤوليات الحكومية وحصرها في جهاز مستقل، كمثال نشاط الاستثمار، يُعتبر ضرورة أحياناً تفرضها الظروف والمعطيات وتوجهات الدولة نحو تنشيط نشاط اقتصادي وتنموي ما وتفعيل دوره بشكلٍ أكبر في الاقتصاد بما يتوافق وينسجم مع توجهات الدولة، كالرغبة مثلاً في تعزيز الاستثمارات المحلية وجذب واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

برأيي أن الأوامر الملكية الكريمة أتت مواتية من حيث التوقيت والفعالية، سيما وأنها جاءت متناغمة تماماً مع رؤية المملكة الرامية للرفع من كفاءة أداء الأجهزة الحكومية والتقليل من التكاليف التشغيلية غير المبررة. وأتطلع أن يعقب هذه الأوامر، توجيهات وأوامر أخرى تسهم في المزيد من الرفع من أداء أجهزة الدولة والقضاء على الازدواجية في الأداء، مثل ما تقوم به من مهام وتضطلع به من مسؤوليات كل من المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد وغيرها من الأجهزة الحكومية الأخرى كالسياحة والترفيه لترابطهما الوثيق من حيث المهام والمسؤوليات. كما واتطلع إما أن تنشأ وزارة للشباب أو على الأقل أن تكون ضمن مهام ومسؤوليات وزارة الرياضة، لتصبح وزارة الرياضة والشباب.