اهتمام المملكة المضاعف بالشركات الناشئة الجديدة، وتشجيع المستثمرين على دعم الابتكار، وإنشاء مسرعة تكنولوجية لإحداث تغيير في الاقتصاد السعودي يؤكد أن المملكة قررت أن تصبح دولة العام والتقنية في المنطقة، وأن تنطلق في تجربتها من حيث وصلت دول العالم الأول من تقنيات وابتكارات..

تشهد المملكة حالياً تحولات جذرية في آليات التفكير والتخطيط للمستقبل، ومن ثم تحولات في آليات العمل والتنفيذ، وهو ما يثمر في نهاية المطاف ـ بإذن الله ـ عن نتائج مبهرة، تتماشى وتتواكب ما تطلعات رؤية 2030، التي وصلت بأحلامها وأمنياتها الخاصة بالمجتمع السعودي إلى أبعد نقطة ممكنة، هذه الرؤية تشدد على دور العلم والابتكارات خلال المرحلة المقبلة، من أجل بناء مجتمع جديد متطور ومزدهر، يقوده العلم والعلماء في كل المجالات والقطاعات.

وقد سعدتُ كثيراً، لخطوة مركز المبادرات في مؤسسة محمد بن سلمان مسك الخيرية، بإقدامه على توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة طوكيو، لإنشاء مركز محمد بن سلمان لعلوم وتقنيات المستقبل، وأرى أن إنشاء هذا المركز في هذا التوقيت بالذات، يكشف عن توجهات المملكة وخططها للمرحلة المقبلة، بتفعيل برامج العلم وتشجيع الابتكارات والاختراعات ونقل التقنية في كل القطاعات، لتكون المملكة مركزاً رئيسياً لتصنيع المنتجات القائمة على الاختراعات العلمية، وليس مستورداً لها من الخارج.

اختيار اليابان دون سواها من دول العالم، لاحتضان المركز الجديد، خطوة مطمئنة للغاية، تؤكد على رغبة المملكة في توثيق علاقاتها العلمية والتقنية مع اليابان، التي تتربع حالياً على عرش التقنيات الحديثة، كما يؤكد أيضاً أن المملكة تخطط لتعزيز برامجها العلمية من حيث انتهى الآخرون، لتكمل المشوار، وتكون لها بصمتها الخاصة.

ولا أبالغ إذا أكدت أنني متفائل كثيراً بمستقبل المركز الجديد، وبما سيسفر عنه من نتائج قريبة، وسر تفاؤلي أنه سيقام بالتعاون مع جامعة طوكيو، أكثر الجامعات اليابانية والعالم عراقة، ويكفي أن 7 من خريجيها، حصلوا على جوائز "نوبل"، وتولى 17 من الخريجين منصب رئيس وزراء اليابان، بالإضافة إلى 3 روّاد فضاء، كما تحتل الجامعة مراكز متقدمة في التصنيفات العلمية للجامعات، وتعد من أكثر الجامعات نجـاحاً على مســتوى شـــرق آسيا في مجال ريادة الأعمـــال والشركات الناشـــئة من الجامعــات، فلنا أن نتصور شكل التـــعاون والشــــراكة مع جامعة هذه مواصفاتها، وهؤلاء خريجوها.

أؤمن أن ومثل هذا المركز قادر على تحقيق كامل أهدافه العلمية والتنموية في وقت وجيز، ليس لسبب سوى أنه سيحظى بدعم مالي وتقني منقطع النظير من ولاة الأمر، فضلاً عن أجيال الشباب السعودي المتعلم والمثقف الذي ينتظر الفرصة لإثبات نفسه في عالم التقنيات والابتكارات، وستكون البداية بتدريب نحو 60 شاباً وشابة سعوديين في جامعة طوكيو في مجالات الطاقة المتجددة والطاقة النووية، بالتعاون مع خبراء من القطاع الصناعي والبحثي في اليابان، وزيارات ميدانية للمصانع ومراكز الأبحاث.

وهنا، أتذكر مشهد الزيارات التي قام بها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى المراكز العلمية العالمية وشركات التقنية الكبرى في الغرب، وكيف كان سموه يستفسر ويستعرض تجارب هذه المراكز والشركات، وكيف حققت المعادلة الصعبة في تحقيق كامل أهدافها. وتزامن مع مشهد اهتمام المملكة المضاعف بالشركات الناشئة الجديدة، المتخصصة في المجالات التكنولوجية، وتشجيع المستثمرين على دعم الابتكار والحفاظ على صلتهم بالسوق، في الوقت كان هناك مشهد آخر خططت فيه الحكومة لإنشاء مسرعة تكنولوجية كخطوة أولى لإحداث تغيير في الاقتصاد السعودي بحيث يميل نحو الاعتماد على الابتكار واقتصاد المعرفة، تجميع هذه المشاهد، يؤكد أن المملكة قررت أن تصبح دولة العام والتقنية في المنطقة، وأن تنطلق في تجربتها من حيث وصلت دول العالم الأول من تقنيات وابتكارات.