هناك أناس حساسون شفافون قلوبهم كالزجاج القابل للكسر والعطب، وهناك أناسٌ غلاظ الأنفس جامدو المشاعر كالصخور أو أشد قسوة. والكون يكتمل بكل أولئك فأصحاب القلوب الحساسة النقية هم مشاعل الكون ونهاراته، وأصحاب القلوب الجامدة هم ظلام الكون وسواده، وكما أن النهار تظهر فيه الكائنات الواضحة لتعمل وتؤدي دورها الوجودي بوضوح، كذلك الليل يظهر فيه الخشاش والكائنات والهوام المؤذية التي تفتضح في النهار ولا تستطيع ممارسة نشاطها لأنهاعرضه للقتل والإبادة.

وهناك أناس يجعلون من نهارهم ليلاً لأنهم يمارسون أشياءهم بتخفٍ وسرية وتكتم فلا يعملون بوضوح ولا يتحدثون بوضوح إنما يمارسون التضليل والبهلوانية والاستخفاء وهؤلاء هم شرار الناس حتى وإن تزينوا بلباس الطهر والنقاء.. غير أن الحساسية الإنسانية تشم منهم دائماً رائحة العفن والعطن والتي تفوح من أردانهم.

كما أن كائنات الوجود لها أشباهٌ بالناس فهناك الخيول النبيلة وهناك الرمك والكديش وهناك الصقور التي تسكن في الشواهق والأماكن الشامخة وهناك الأغربة والبوم الذي يسكن في البيوت المهجورة والخرائب. ومن ثم فليس الشرف الإنساني يكمن في المال أو المركز فتلك أمورٌ تستحدثها الحياة نتيجة ظروفٍ ومناخاتٍ معينة ويظل الشرفُ يكمن في الصدق والأمانة والنزاهة والخير والعفة، وما أكثر الأنفس العفنة الساقطة التي تتزيا بزي الشرفاء.. وما أكثر الأنفس الزكية الطاهرة التي تظهر عليها سماء الخير والبِشر. ومهما تظاهر الناس بخلاف ما يبطنون فإن روائحهم لابد أن تفوح، فهناك من له رائحة المسك والعنبر وهناك من تفوح منه رائحة العفونه والنتن، حتى وإن أغرق نفسه بالعطور والطيوب. وإذا كان الشاعر أبو العتاهية صاح ذات يوم بقوله: "إن الخطايا لا تفوح".. فقد جاء زمنٌ تعرف فيه النفوس الزكية من النفوس العفنة المنكرة. اللهم زكِ نفوسنا وألهمها سبيل الحق والرشاد..