يرى المختصون الطبيون الشيخوخة من منظور النمو أنها جزء طبيعي من دورة الحياة بما فيها من خبرات السنوات المبكرة من العمر بالإضافة إلى أوضاع الحياة الحالية لأن ذلك كله يسهم في تشكيل السلوك في السنوات الأخيرة من العمر وكما يقول برملي: إننا نقضي ربع حياتنا تقريبًا في النمو وثلاثة أرباعها في الشيخوخة..

في كتابه (الشيخوخة ومراكز العناية بالمسنين في العالم) تطرق د. راشد بن محمد أبا الخيل إلى فكرة ومنهج تأسيس نموذج مركز اجتماعي صحي للمسنين في العالم.

جاءت فكرة الكتاب مستقاة من موضوع رسالته للدكتوراه (مراكز المسنين) والذي تقدم بها لجامعة بوسطن في الولايات المتحدة الأميركية والتي بموجبها حصل على الدكتوراه عام 1988م معتبرًا النموذج المقترح في الرسالة مثالًا عامًا يمكن الاقتداء به لإنشاء مركز اجتماعي صحي للمسنين في العالم.

وقبل الشروع في كتابة رسالته قام بمراجعة دقيقة للدراسات المتعلقة بالمسنين وأتبعها بزيارات استقصائية ميدانية لمختلف مراكز المسنين حول العالم للتعرف على الوضع الذي يعانيه المسنون في العالم وموقف تلك الدول فبدأ بزيارة مراكز المسنين في الولايات المتحدة الأميركية كمركز الشيخوخة في جامعة بوسطن والمركز الدولي لتبادل المعلومات عن الشيخوخة بجامعة فلوريدا ومركز أندرسون للشيخوخة بجامعة كاليفورنيا.

ومن ثم نوع زياراته إلى مختلف دول العالم فزار المراكز الاجتماعية والصحية في أوروبا (الدنمارك والسويد) والشرق الأقصى (هونج كونج واليابان وتايوان) والشرق الأوسط (مصر والكويت) والولايات المتحدة الأميركية (كاليفورنيا وفلوريدا) وأضاف إليها دراسات وزيارات للمؤسسات الاجتماعية في المملكة.

وقد أوضح المؤلف في دراسته إلى أن علم الشيخوخة الاجتماعي لم يكن قائماً حتى عام 1940م كما أن حقل علم الشيخوخة كمجال للدراسة الأكاديمية لم يكن معترفًا به حتى منتصف الخمسينات الميلادية.

وإن كانت الأعداد المتزايدة للمسنين قد أنتجت علمًا جديدًا أطلق عليه اسم علم الشيخوخة والهدف من هذا العلم ليس الإبقاء على الناس شبابًا بل إحساسهم بالأمن والأمان.

فعلم الشيخوخة يعنى بدراسة الشيخوخة من النواحي الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية.. أما مجال دراسته فهي العلوم الاجتماعية والأحيائية فمثلًا يدرس علماء الأحياء تغيرات السن من جانب مناعة الجسم من المرض أما علماء النفس فيدرسون تغيرات السن في إطار تناسق الجهاز العصبي المركب وعلماء الاقتصاد يدرسون متطلبات الدخل عند كبار السن أما المعماريون فيقومون بتصميم المنازل المناسبة للمسنين ويدرس علماء الاجتماع علاقة الشيخوخة بالوضع الاجتماعي ويدرس الباحث الاجتماعي أفضل الطرق لتنظيم وصول الخدمات لمن يحتاجها من المسنين.

وبالإضافة إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية والجسدية المتعلقة بالمسنين توجد أيضاً مسألة حيوية وهي التحول الاجتماعي فقد جلبت المدنية والتحضر والتطور الصناعي المزيد من التغيرات الاجتماعية، والتي تؤثّر بدورها بطريقة مباشرة على المسنين وفي مقدمتها الوحدة.

ففي دراسة قامت بها دايان ويلوكس في يوغوسلافيا وجدت أن المسنين يصنفون الوحدة على أنها المشكلة الاجتماعية الأولى.

فـ آر. اس. ويس. يقسم الوحدة عند المسنين إلى حالتين مؤثرتين: العزلة الاجتماعية والعزلة العاطفية.

أما كريسي فتعرف الوحدة بأنها حالة نفسية تنتج عن فقدان الفرد لنظام المساندة وقلة الشعور بالإنجاز الاجتماعي.

وقد توصل كل من مولينز وماكنيكولاس إلى مفهوم الوحدة على أنها تجربة عاطفية مؤثرة يبدأ فيها الفرد بالإحساس ببعده عن الآخرين وبعده من نظم المساندة المعتادة والنشاطات الفعالة.

وهناك من الباحثين من توصلوا إلى أن هناك نسبة كبيرة من المسنين لا تعاني من الوحدة ومما يثير الدهشة أن العديد من الدراسات تشير إلى أن علاقات المسنين مع الأصدقاء أكثر أهمية من علاقاتهم بأفراد أسرهم وأقربائهم.

ويقول ويليامسون: ربما تكون الصداقة هي أكثر العلاقات الثنائية عند المسنين.

وإن كانت الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل الحياة إلا أنها لا تعني تزايد سنوات العمر فقد أشار د. روبرت أتشلي إلا أن مفهوم الشيخوخة لا يقوم على تغيرات جسدية ونفسية فحسب بل واجتماعية والشيخوخة من حيث كونها تغيرًا طبيعيًا إلا أنه يصعب التحديد بدقة متى تبدأ بالفعل فقد اختلفت الآراء التي تحدد بداية مرحلة الشيخوخة.

ويرى ريتشارد كراندال الأستاذ بجامعة ميتشجان أن عملية الشيخوخة تبدأ منذ الميلاد فمن حيث الصفة التقنية تعد جميع الكائنات الحية في حالة شيخوخة منذ اللحظة الأولى لتكون الجنين إلا أنه يعد الفرد في فترة نمو فيما بين الخامسة والعشرين والثلاثين من عمره ثم تحدث بعد ذلك فترة انحدار تدريجي وفي هذه الحالة فالعمر الزمني قد لا يلعب دورًا في هذه المعايير فعلى سبيل المثال البالغون الذين يتصرفون بعناد وتردد يمثلون الضعف الجسدي المرتبط في أذهاننا بكبر السن كما أن الذين يعانون من كثرة النسيان والارتباك أحيانًا وضعف السمع لديهم أيضاً نوع من الضعف النفسي المرتبط بكبر السن إن كل من لديه هذه الخصائص مجتمعة فهو بلا شك كبير في السن بغض النظر عن عمره الزمني.

ويشير د. أبا الخيل إلى أن نسبة من الناس لديهم بعض من هذه الخصائص فإن تصنيف الناس إلى فئات حسب السن وحسب الخصائص العلمية تصنيف غير دقيق كما أن التحديات القائمة على العمر المهني تختلف أيضاً من بيئة لأخرى فمثلًا يصبح لاعب التنس المحترف كبيرًا في السن عمليًا بمجرد بلوغ الثلاثين من العمر في حين يمكن أن يظل القاضي قديرًا من الناحية الوظيفية حتى سن التسعين ولأن تحديدات العمر الوظيفي يصعب تقديرها فهي لذلك نادرًا ما تستخدم في البحوث أو الدراسات الاجتماعية ومع ذلك تعطينا تلك المفاهيم في حياتنا اليومية شعورًا عامًا بالنسبة للمكان الذي نضع فيه سلسلة العمر الوظيفي.

من ناحية أخرى يرى المختصون الطبيون الشيخوخة من منظور النمو أنها جزء طبيعي من دورة الحياة بما فيها من خبرات السنوات المبكرة من العمر بالإضافة إلى أوضاع الحياة الحالية لأن ذلك كله يسهم في تشكيل السلوك في السنوات الأخيرة من العمر وكما يقول برملي: إننا نقضي ربع حياتنا تقريبًا في النمو وثلاثة أرباعها في الشيخوخة.

فمنظمة الصحة العالمية مثلًا تركز على الجوانب النفسية والاجتماعية عند الشيخوخة أكثر من تركيزها على الجوانب الجسمانية.

وبما أن الكتاب الذي ألفه د. راشد أبا الخيل يعد دراسة مقارنة للمراكز الاجتماعية الصحية في العالم إلا أنها في الواقع خطة لنموذج مركز اجتماعي صحي للعناية بالمسنين وقد يكون مركز الملك سلمان الاجتماعي في طور تأسيسه استلهم الفكرة وقام د. راشد أبا الخيل بوضعها موضع التنفيذ أثناء توليه إدارة المركز كأول مدير عام لمركز الملك سلمان الاجتماعي.

ويتمتع المسنون في مدينة الرياض بمركز الملك سلمان الاجتماعي والذي يعد صرحًا اجتماعيًا وبيئة إنسانية فريدة بما يقدمه المركز لمرتاديه من الخدمات والرعاية الاجتماعية والعناية الطبية والأنشطة الرياضية والعلاج الطبيعي والنشاطات التثقيفية والترفيهية والمسابقات الثقافية والرعاية الشخصية والندوات العلمية واللقاءات الاجتماعية والجلسات الثقافية والمحاضرات وحفلات المعايدة السنوية.