أشبه ما تكون العلاقات التركية الإسرائيلية بـ "كعب أخيل" في مجمل الحضور السياسي التركي على الساحتين العربية والإسلامية، أدركت أم لم تدرك "أنقرة" فالمتاجرة سياسياً بالقضايا تحكمها الأزمنة والمعطيات ودرجات التغيير التي تطرأ على الشعوب أو الدول، كانت ولا زالت منطقة الشرق الأوسط الأكثر خصوبة دولياً، لاستثمار قضاياها وتسيير الرأي العام وتمرير المشروعات السياسية، المشروع التركي الذي تراهن عليه "أنقرة" اعترته عوامل التعرية وأضعفته، ولم تعد القضية الفلسطينية قابلة للمتاجرة على الرغم من استمرار الأتراك في ذلك، فأرقام التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل تناهز ست مليارات دولاراً، الأمر الذي يقوم بتعريتها أمام الفلسطينيين وقضيتهم الأولى "القدس".

تعاني تركيا في جانبها المطل على الساحة العربية والإسلامية تشوّهاً ألحق ضرراً بالغاً بمشروعاتها السياسية الموجّهة لهاتين الساحتين، منها العزلة السياسية والاقتصادية التي تعانيها الدول الحلفاء لـ "أنقرة" في مشروعات التغلغل بالداخل العربي والإسلامي، هذه العزلة أحدثت ارتباكاً واضحاً في الموقف السياسي التركي خارجياً وعلى وجه الخصوص في ليبيا وسورية، بمجمل الأمر يظلّ اقتصار الرهان السياسي التركي في الساحة العربية والإسلامية على ورقة واحدة (الإسلام السياسي) الذي يتبنّى زعزعة أمن واستقرار المنطقة النقطة الأضعف التي أفقدته المكاسب السياسية والاقتصادية في المنطقة لو كان الأمر بخلاف ذلك، والفشل الذريع لحلفاء النظام التركي (إيران - قطر) هو ما عظّم الخسائر السياسية التركية بالمنطقة في إدارة أزماتهم وتسببّ في دخولهم ضمن نطاق من العزلة سياسياً واقتصادياً، الأمر الذي أسهم في تأزيم الموقف التركي أمام مشروعاته الاستعمارية، وانعكس ذلك جلياً في تصريحات الرئيس التركي التي عُدّت هفوةً دبلوماسية أمام المجتمع الدولي أوضحت حجم الضعف الذي يعانيه النظام ومحاولةً منه لإبراز عامل القوة على خلفية الأزمة الليبية مؤخراً، كل هذه الأحداث المتعاقبة تفيد عن تواتر مستمر للمعطيات التي تشير إلى توجّه الساحة العربية والإسلامية نحو هدم وانحسار عوامل تأسيس المشروع التركي الاستعماري وتعظيم حجم الخسائر السياسية والاقتصادية لذات النظام، يُضاف إلى ذلك أن قرار دخول القوات التركية إلى ليبيا هو إعلان ببدء حرب استنزاف مادياً وعسكرياً للنظام التركي، ويُكتفى من ذلك أنها ليست حرباً لا بدّ منها.

وشهدت أساليب وأدوات تسويق المشروعات السياسية للنظام التركي في الوطن العربي والإسلامي صدامات مختلفة مع قوى عربية وإسلامية أفقدت تلك المشروعات الكثير من قواها وأرهقتها، كالمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وباكستان، فهذه الدول التي تعدّ الركائز الحقيقية للعالمين العربي والإسلامي اتخذّت عدداً من التدابير - قليلة الكلفة - التي كانت كفيلة بامتصاص مشروعات الاستعمار والإرهاب التركي من الداخل، وتجويعها إعلاميا واقتصادياً لتعود بالتآكل داخلياً، وهي بداية المرحلة التي يمر بها المشروع الإخواني الاستعماري التركي في الوقت الحالي، فالهجرة العكسية كانت المسار الوحيد لجميع مشروعات الاستعمار والإرهاب التي يتم تصديرها للسعودية أو مصر، التآكل الداخلي هو السمة الحالية لغالبية المشروعات التي يتم تصديرها من إيران وتركيا وقطر وبمختلف أساليبها وأدواتها الإعلامية والعسكرية والاقتصادية، والفترة المقبلة هي امتداد لحالة الاحتقان الداخلي الذي تعانيه هذه الأنظمة، الأمر الذي سيخلق تشوّهات اقتصادية وسياسية تتعاظم بمرور الوقت، كما أن العزلة السياسية والاقتصادية هي السمة الغالبية لتلك الأنظمة في الوقت الراهن، فأنقرة تعاني حالياً من عزلة سياسية حقيقية في محيط العالم الإسلامي لم تستطع إلى الآن التغلّب عليها، وتسببت في عزلة لمشروعات المتاجرة بقضايا العالم الإسلامي وفي مقدمتها قضية فلسطين التي انصهرت أمام النفاق التركي وتكشّف العلاقات مع إسرائيل سياسياً واقتصادياً.