• تأتي الانتخابات وما سبقها من جدل وانقسام في المشهد السياسي لتكشف عمق الأزمة البنيوية لمنظومة ولاية الفقيه التي أرساها الإمام الخميني.. فهل حان الوقت لإظهار الوجه الهش للنظام في أسوأ حالاته على الإطلاق منذ أربعة عقود؟

  • الحقيقة هي أن الأزمة الهيكلية لنظام ولاية الفقيه، وخاصة المشهد الانتخابي، كان منذ البداية نظامًا مفلسًا وكاذبًا، حيث يتم الحديث عن الانتخابات كالتي تجري في البلدان الديموقراطية، ولكن في الواقع اعتمد الهيكل الانتخابي للنظام بالكامل على الديكتاتورية المطلقة لولاية الفقيه، على سبيل المثال، وفقا لقانون الانتخابات، يجب على أي مرشح يريد دخول البرلمان أن يمتلك ما لا يقل عن 15 شرطاً، حيث إن شرطين منها كما يقول قانون الانتخابات في النظام هما "الالتزام العملي بالثورة الإسلامية والنظام المقدس لجمهورية إيران الإسلامية" و"الولاء للدستور ومبدأ ولاية الفقيه المطلقة". بمعنى آخر، إذا لم تقبل بالمبدأ الفاشي والديكتاتورية المطلقة لولاية الفقيه، والتي هي الركيزة الأساسية لهذا النظام ولم تكن مخلصًا تمامًا للمرشد الأعلى، لا يمكنك أن تكون مرشحًا، لكن حتى لو كنت موافقًا على ذلك، فهذا لا يكفي ويجب على مجلس صيانة الدستور الموافقة عليك.

يتألف مجلس صيانة الدستور من 12 عضوًا، ستة منهم يعينهم المرشد الأعلى، والأعضاء الستة الآخرون يتم تعيينهم من قبل رئيس السلطة القضائية، الذي ينتخب هو نفسه بواسطة المرشد الأعلى، لذا، كما ترون، يعتمد هذا الهيكل تمامًا على الديكتاتورية المطلقة للولي الفقيه، وبعد أربعة عقود، وخاصة بعد انتفاضة نوفمبر 2019 ويناير 2020، أصبح وضع النظام حرجاً لدرجة أنه حتى مسؤولي الدائرة الداخلية الضيقة للنظام يحتجون على هذه الانتخابات.

انكشاف مسرحية الانتخابات يثبت لأوروبا عبث سياسة الاسترضاء

  • رفض مجلس صيانة الدستور الإيراني أوراق 90 نائبا في البرلمان الحالي معظمهم من الأسماء البارزة للنظام.. ما الأسباب الحقيقية لرفضهم؟

  • منذ عقود والنظام يروج لانتخاباته ويسخن الأجواء لها ويرسم الوعود الكاذبة على صناديق الاقتراع وذلك من خلال لعبة "الإصلاحي" و"الأصولي"، وهذا الأمر له جذور تاريخية تعود لما بعد وفاة خميني العام 1989، حيث شكلت هذه اللعبة أساساً لسياسة الملالي (الخارجية في الأساس) وذلك من أجل تمديد عمر هذا النظام الرجعي والمتخلف والإبقاء على حياته.

إن فكرة وجود أشخاص أو أفراد داخل هذا النظام يمكنهم في نهاية المطاف الانفتاح على الدول المتحضرة خاصة على الغرب، هي رواية مقبولة للمجتمع الدولي، لأنه يتناغم مع المصالح السياسية والاقتصادية المؤقتة للأطراف الخارجية، الأمر الذي وجد له مؤيديه وأنصاره على جانبي المحيط الأطلسي.

أظهرت انتفاضة الشعب الإيراني في ديسمبر 2017 وامتداداتها في العام 2018 للعالم أنهم تجاهلوا عاملاً واحدًا في حسابات التعامل مع الملالي وإعادتهم: "الشعب الإيراني ومطالبهم المشروعة بالحرية والسيادة الشعبية". شعار "أيها الإصلاحي، وأيها الأصولي، لقد انتهت اللعبة"، في هذه التظاهرات تعرت لعبة الملالي المزدوجة والمفضوحة، وأشارت لاقتراب سقوط الملالي، وفي مثل هذه الحالة، أجبر النظام وعلى رأسه خامنئي على الاختيار بين طريقين: الأول الاستمرار بلعبة "الإصلاحي والأصولي"، والتي تتناقض تماماً مع شعارات الشارع بشكل واضح، وفي حال الاستمرار بها ستحدث فجوات وانشقاقات حتى داخل قواته القمعية، أو التخلص تماماً من هذه اللعبة مرة واحدة، والانكماش الكامل. فاختار خامنئي الخيار الثاني.

الشرط الأساسي للحل الثاني، هو أنه إذا كان الشارع هو مذبحة للمتظاهرين (1500 قُتلوا في تظاهرة نوفمبر 2019) دون أدنى اعتبار، فسيتطلب ذلك القضاء التام على ما كان يسمى الإصلاح والإصلاحيين في السياسة الداخلية، وبالتالي الإعلان عن أسماء المرشحين المؤهلين، والعملية الجراحية وإلغاء وإبعاد العصابة المنافسة، أصبح أمرا قطعياً.

*قال برلماني إيراني: إن هناك رشى مالية ضخمة تتم في مجلس صيانة الدستور لتأييد ودعم أهلية بعض المرشحين بعينهم.. ما أبرز الانتهاكات في هذه المرحلة الحرجة؟

  • أعتقد أن سؤالك يتعلق بتقرير عن محمود صادقي، النائب الحالي في برلمان الملالي، وهو مرشح غير مؤهل أيضًا للانتخابات القادمة!، حيث تحدث عن اعتقال أولئك الذين ابتزوا مرشحي الانتخابات من أجل تأييد ودعم أهليتهم في مجلس صيانة الدستور، وقال: إنه تم اطلاعه من قبل مسؤولي مجلس صيانة الدستور منذ فترة طويلة، ولكن "لم يتم متابعة الأمر بجدية". وقال: إنه بعد التغريدة القائمة على وجود الفساد في مجلس صيانة الدستور، اشتكى المجلس عليه، وأثيرت هذه القضية في هيئة الرقابة والإشراف على سلوك النواب.

واستشهد هذا البرلماني بإحدى الوثائق قائلاً: "على سبيل المثال، يوجد ملف صوتي لشخص يزعم أنه تسلم مبلغاً من العضو الحالي في البرلمان وقدم موافقته إلى مجلس صيانة الدستور، في هذا الملف، تم ذكر اسم النائب بشكل دقيق، وتأكدت أن هناك بعض الأشخاص الآخرين في هذه الوثائق، وإذا كنت ترغب في التحقيق، فيمكنك متابعة القضية هذه كحاكم قضائي أو من قبل مجلس صيانة الدستور بشكل قضائي وقانوني".

وفي وقت سابق، كتب النائب محمود صادقي رسالة إلى إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية، قائلاً: إن هناك العديد من التقارير عن البرلمانيين الحاليين والسابقين في هذا الصدد، ويجب طلبها خلال الدعوة من الأشخاص المطلعين، ليعرضوا ما لديهم من معلومات".

ينبغي التأكيد على نقطة واحدة أن مسألة تصفية الفصيل المسمى بالإصلاحي والمعتدل من قبل خامنئي هي إجراء سياسي، أما فيما يتعلق بقضايا الفساد، لا تختلف كلا العصابتين الإصلاحية والأصولية عن بعضهما البعض، حيث تكشف عصابة خامنئي عن فساد وسرقة ونهب العصابة المنافسة من خلال أداة مجلس الخبراء والسلطة القضائية، ولذر الرماد في العيون، تقوم باعتقال عدد من المقربين ومسؤولي هذه العصابة، وتزجهم في السجن، من شقيق حسن روحاني حتى شقيق إسحاق جهانغيري، ومن شقيقة نعمت زاده (وزير الداخلية السابق في حكومة روحاني) حتى صهر شريعتمداري، وزير العمل الحالي في حكومة روحاني.

ومن المفارقات أن هذه الفضائح وعمليات فتح الملفات، على غرار المناظرة الانتخابية في العام 2009، كان كل منها كالبنزين الذي يصب على النار القابعة تحت رماد المجتمع الملتهب وفي الظروف الثورية لإيران.

  • ما التيار الأوفر حظاً للفوز بأغلبية البرلمان؟ وهل يسمح النظام الإيراني بلعبة ديموقراطية؟

  • مع إصدار القائمة النهائية للمرشحين التي وافق عليها مجلس صيانة الدستور، أصبح من الممكن الآن أن نقول على وجه اليقين إن خامنئي قرر أولاً الإزالة والقيام بعمل جراحي للعصابة المنافسة المهزومة، وتوحيد المجلس القادم، وثانياً قرر إخضاع العصابة المهزومة للإرادة العليا، والتأكيد على المشاركة في الانتخابات لحفظ النظام.

بمعنى آخر، فإن خامنئي مجبر على وضع حد للعبة "الإصلاحية" و"الأصولية" أو "إظهار الديموقراطية المزيفة" من خلال القضاء على العصابة المنافسة والقيام بعمل جراحي لها، هذا لا يعني بالطبع، أن حرب العقارب قد انتهت، بل إن هذه الحرب ستشتد أكثر فأكثر بلا شك في أعقاب كشف الستار عن مسرحية الانتخابات، تحت ضغط الأزمات.

*بعد مصرع سليماني وحالة التوتر التي تبعتها.. هل تأتي الانتخابات بفريق روحاني كما كان الحال في 2017؟

  • لا.. إن إزالة مجلس صيانة الدستور لأغلبية مرشحي عصابة روحاني وقرار خامنئي بتوحيد المجلس من أفراد عصابته سيجعل الأغلبية في المجلس القادم من فصيل وعصابة خامنئي.

لا يمكن رؤية أحد من الوجوه المشهورة للعصابة الإصلاحية بين المرشحين تقريباً، وأولئك الذين تمت الموافقة عليهم هم من الإصلاحيين الضعفاء، الذين ليس لهم أي تأثير في البرلمان المقبل، كما يقول حجاريان، وبالتالي، فإن المجلس الحادي عشر، إن لم يكن مئة في المئة، فإن ما لا يقل عن 95 في المئة منه هم من عصابة خامنئي، حتى إن مسؤولين أمثال «عارف»، الذي كان يسمى رئيس الفصيل الإصلاحي في البرلمان، أصر على الترشح بداية، لكنه سحب ترشيحه فيما بعد.

إحدى حالات يأس هذه العصابة هو ما حدث مع مجموعة الإصلاحيين في محافظة «خوزستان»، عندما أعلنوا أنه لم تقدم أي قائمة للمرشحين، لأنهم كانوا ينتظرون حتى اللحظة الأخيرة الموافقة عليها، لكن لم تصلهم أي أخبار، لذلك ليس لديهم أي شخص مرشح في المحافظة.

  • كيف يمكن أن تؤثر نتائج هذه الانتخابات على التصورات الخارجية والمحلية تجاه سياسة إيران الداخلية والخارجية؟

  • بالتأكيد، فإن مسرحية انتخابات برلمان الملالي الحادي عشر هو نهاية لعبة الأجنحة والعصابات والتيارات، التي اتفقت جميعها في نهاية المطاف على إعمال القمع الداخلي وتصدر الإرهاب للخارج ومتابعة وتفعيل البرنامج النووي.

أي من وجهة نظر داخلية، ما نادى به الشعب الإيراني في الانتفاضات من شعارات "أيها الإصلاحي وأيها الأصولي، لقد انتهت اللعبة"، قد تم تطبيقه عملياً. داخلياً، أعلن الشعب الإيراني عن صوته بالسقوط التام والكامل لهذا النظام، وذلك من خلال شعاراتهم في الاحتجاجات والانتفاضات، في شعارات "الموت للدكتاتور" و"الموت لخامنئي" و"الموت للظالم، سواء كان شاهاً أم مرشداً".

من ناحية أخرى، ومن وجهة نظر خارجية فإن تأثير هذه العملية الجراحية سيوجه ضربة قوية ومحكمة لسياسة الاسترضاء التي كانت متبعة مع هذا النظام (أكثر الأنظمة دموية وإكثرها تخلفاً في التاريخ المعاصر والوقت الحاضر) والتي ساهمت في تعزيز أسس حكمه، وسوف يرى العالم كله فشل هذه السياسة.

  • لماذا دعت المقاومة الإيرانية لمقاطعة هذه الانتخابات؟

  • المقاومة الإيرانية لم تطالب فقط بمقاطعة الانتخابات بل بمقاطعة جميع انتخابات النظام السابقة، لأنه لا توجد انتخابات في هذا النظام وهي عبارة عن تعيينات، أي هي تعيين للمسؤولين الأكثر إجرامية والأكثر قرباً من خامنئي.

المعارضة في إيران غير قانونية، والمعارضة الإيرانية الرئيسة، منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، ليس لها الحق في الترشح في الانتخابات فحسب، بل من وجهة نظر الملالي هم أعداء الله وحكمهم هو الإعدام.

لذلك في نظام تم فيه ذبح أكثر من 1500 شخص في أيام قليلة فقط في انتفاضة نوفمبر 2019، وسجن أكثر من 12000 شخص وتعذيبهم، وفي نظام يتم فيه سجن الأشخاص وتعذيبهم يوميًا بسبب أقل مطالبهم المعيشية، فإن لعبة الانتخابات فيه ليس لها أي معنى.

وكما قالت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، فإن الشعب الإيراني قال صوته الحقيقي بإسقاط النظام، وإن مقاطعة الانتخابات هي واجب وطني، ولقد أظهر جمهور الشعب الإيراني، أنهم يريدون مستقبلًا من دون المعمم أو الشاه، وقائم على الديموقراطية وسيادة الشعب.

فريد ماهوتشي