يعتبر المكان أحد أهم عناصر البنية الحضرية الأساسية في المدن، ولهذا ظهر مفهوم صناعة المكان الذي يركز على الأفكار والتصاميم الحديثة لصناعة المكان النابض بالحياة في المدن التي تلبي متطلبات الفراغ العمراني بعيداً عن العناصر التقليدية المعتادة، ويرتبط هذا المفهوم بذاكرة المكان وما يتركه من انطباع وتفاعل مستديم لدى المجتمع من زائرين ومرتادين.

ويعدّ مفهوم صناعة المكان من التوجهات المهمة في تحسين مستوى الفراغ الحضري للمدن وهو نهج متعدد الأوجه لتخطيط وتصميم وإدارة الأماكن العامة بما يلبي احتياجات السكان وإيجاد حياة مؤنسنة في الأماكن العامة، ويشكل من خلال عناصره المختلفة رئة المدينة الاجتماعية والبيئية والتنموية والجمالية.

وفي الواقع لم يعد مقبولاً أن تخرج المدن بأفكار أو تصاميم تقليدية في مشروعاتها المختلفة سواء التي تقدم من قبل الأجهزة الحكومية أو التي يتم تطويرها من القطاع الخاص إذ ينبغي أن يتم التأكد من فكرة المشروع التصميمية وقياس قدرة المشروع على صناعة مكان حيوي، بحيث يعطى ذلك الأمر أهمية كبرى في عملية التقييم والترخيص لأي مشروع، فالمدن تتطلع لإيجاد مكونات حيوية تغطي المساحة العمرانية وتحولها إلى مناطق نشطة ومؤنسنة واضحة المعالم والوظيفة.

ومن جانبٍ آخر من المؤمل أن تكون لدى المدن القدرة على إعادة صناعة المكان في كثير من مكونات البيئة العمرانية القائمة لاسيما المواقع التي تغير استخدامها أو لم تحقق النجاح المؤمل منها وهناك تجارب عالمية حققت نجاحاً مبهراً في إعادة إحياء وصناعة المكان منها منطقة كنجز كروس "King’s Cross"، التي تعتبر واحدة من أبرز المناطق التي شهدت عملية إعادة تأهيل وتطوير مميزة، فهذه المنطقة تحولت من أرض صناعية غير مستخدمة تضم سلسلة من المباني المهجورة والأراضي الملوثة ومخلفات السكك الحديدية والمستودعات إلى منطقة حيوية جاذبة تضم مباني سكنية وتجارية ومكاتب ومعارض ومدارس وجامعة وحدائق عامة وساحات ذات مشهد ثقافي متنوع، وتراث عمراني متجدد، وأصبحت المنطقة في فترة زمنية قصيرة أحد أكثر الأماكن جاذبية للعيش والعمل والزيارة في لندن.

لذا يجب أن تتبع الدراسات التخطيطية والتصميمية منهجية صناعة المكان لإيجاد مناطق قادرة على التغيير تحقق الكفاءة العالية والعائد الاقتصادي والعمراني المؤثر.