تلجأ الأنظمة الديكتاتورية التي لا تؤمن بالجيوش الوطنية إلى فكرة تأسيس الحرس الثوري كما النظام الإيراني الفاشي، وكذلك مساعي تنظيم الإخوان لتدشين حرس ثوري خلال فترة حكمهم لمصر، وليس مستغربا أن يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو الآخر لتدشين حرس ثوري لحمايته ورجاله ولخدمة أهدافه في دعم الجماعات الإرهابية بالمنطقة.

بدأ الرأي العام في تركيا والعالم يتحدث في الآونة الأخيرة عن شركة أمنية خاصة تدعى «صادات»، هذه الشركة الغامضة قفزت مؤخرًا إلى أجندة تركيا بسبب التصريحات التي أدلى بها الجنرال المتقاعد عدنان تانري فيردي الذي يشغل منصب رئيس تلك الشركة. وتساءل خبراء متخصصون في الأمن عن ماهية وطبيعة هذه الشركة التي تواجه اتهامات عديدة، بدءًا من تدريب الجماعات المسلحة في سورية وليبيا، واختطاف الرجال من الخارج، والاضطلاع بدور مهم في انقلاب 15 يوليو 2016، وكونها قوة عسكرية لحماية أردوغان عندما يتعرض لأي خطر، وأنها تشرف على الفعاليات والعمليات السرية لحزب العدالة والتنمية منذ العام 2012 حيث تأسست.

هذه الادعاءات الخطيرة اطلع عليها الرأي العام بشكل ملحوظ عندما ذكرت رئيسة حزب الخير مرال أكشنار قبل عامين أن شركة صادات تمتلك معسكرات تدريب مسلحة في مدينتي قونيا وتوكات. وكذلك فإن محمد علي جولر، أحد كتاب جريدة «جمهوريت»، قال في مقالته يوم 6 فبراير إن فكرة إنشاء نقاط مراقبة في إدلب تعود إلى هذه الشركة.

ولا يُعرف عدد الأشخاص الذين يعملون ضمن شركة صادات، التي أسسها أفراد الجيش المطرودون بعد الانقلاب الأبيض الذي أدى إلى استقالة الحكومة بقيادة رئيس الوزراء نجم الدين أربكان في 28 فبراير 1997.

ويقود الجنرال تانري فردي هذه الشركة بعد أن أعلن استقالته من منصب كبير مستشاري الرئيس أردوغان، وكان تانري فردي قد عمل في كل من شعبة العمليات الخاصة التابعة لرئاسة الأركان العامة ومنظمة الدفاع المدني التابعة لقبرص التركية، وكان وزير الدفاع الحالي خلوصي أكار بين الطلاب الذين ألقى عليهم محاضرات في الأكاديمية العسكرية التركية.

بعد إحالته إلى التقاعد في العام 1997، التحق تانري فردي بجمعية المدافعين عن العدالة (ASDER)، التي أسسها جنود طُردوا من الجيش، ثم خطف الأضواء من خلال طرح أفكار لإعادة هيكلة القوات المسلحة التركية عبر مركز «المدافعين عن العدالة» للبحوث الاستراتيجية (ASSAM). واقتداء بشركات مماثلة تعمل في الولايات المتحدة الأميركية، قرر تانري فردي تأسيس شركة تركية تعمل بنفس الطريقة، تعود علاقاته بأردوغان إلى العام 1994، حيث كان مرشحًا لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، في ذلك الوقت، كان تانري فردي يشغل منصب قائد اللواء في منطقة مالتبه. تحولت العلاقة بين أردوغان وتانري فردي في تلك الفترة إلى صداقة مع مرور الوقت بعدما تعرفا على بعضهما البعض عن طريق شخصية مقربة لكل منهما، ثم تطورت العلاقات بينهما، خاصة بعد فترة انقلاب 28 فبراير 1997.

بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، اكتسبت علاقته بأردوغان بُعدًا جديدًا، حيث بدأ يعمل ككبيري مستشاري الرئيس في الشؤون الأمنية بناءً على طلب أردوغان، لكنه استقال في 8 يناير 2020 من منصبي رئيس لجنة الاستشارات وعضوية لجنة الأمن والسياسة الخارجية على حد سواء.

فيما أوضحت صحيفة زمان التركية المعارضة، أن هذه الشركة تشكل الحرس الثوري الخفي لنظام أردوغان، وحزبه، مؤكدةً أن اسم شركة صادات، التي تصفها المعارضة بالميليشيات المسلحة التي يديرها حزب العدالة والتنمية الحاكم، برز عقب صدور مرسوم العفو عن غير العسكريين المتورطين في قتل الجنود الأتراك ليلة المحاولة الانقلابية من الملاحقة القضائية، كما تضم شركة صادات في هيئتها العليا عددًا من المفكرين المتطرفين، وقيادات تنتهج أفكارًا يصفها بعضهم بالمتشددة، ومن المتداول إعلاميًا أن عدنان تانري فيردي، المؤسس الرئيس لها، ذو فكر متطرف.

وقالت الصحيفة التركية المعارضة: إن أردوغان يعتبر صادات بديلة للاستخبارات والجيش التركي في تأمين حمايته الشخصية في قصره، فهو قد أوكل إليها مهمة إعادة هيكلة الجيش التركي، حيث تم تقليص عدد أفراده نحو 200 ألف عسكري من مختلف الرتب العسكرية، لينخفض العدد من نحو 561 ألفا إلى 351 ألفا، وفقاً للبيان الصادر عن هيئة الأركان التركية في 10 سبتمبر 2016، كما حدد الجنرال تانري فيردي مهمات الشركة بكونها شركة دولية للاستشارات العسكرية تهدف إلى إعادة تنظيم الجيوش والقوات المسلحة في الدول الإسلامية التي تتعرض لتغييرات إدارية أو هيكلية، وتقديم الاستشارة الدفاعية لها، وتدريب الأفراد الأمنيين والعسكريين في مستوى القيادات، وتوفير المعدات والأسلحة والآليات اللازمة في المجالات العسكرية.

تقول التقارير الأمنية: إن المناطق التي تزاول الشركة أنشطتها فيها هي الجغرافيا القريبة من تركيا في المقام الأول، بالإضافة إلى كل البلدان الإسلامية والبلدان ذات نسبة عالية من السكان المسلمين، ويتردد أن شركة صادات أجرت بعض المباحثات في اليمن وليبيا وسورية حتى الآن، ومع ذلك فإنه لا تعلم محتويات هذه المباحثات وما إذا كانت توصلت إلى قرارات ونفذت عمليات على الساحة بالفعل.

في العام 2013، وقعت الشركة بروتوكولين للنوايا الحسنة مع الجيش الليبي لإنشاء منشأة رياضية عسكرية ومركز صيانة وإصلاح المركبات المدرعة، لكن ما بدأه المشير خليفة حفتر في أغسطس 2013 حال دون تنفيذ هذه الاتفاقات، منذ ذلك الحين تُساق ادعاءات حول قيام شركة صادات بدعم القوات التي تقاتل ضد قوات حفتر في ليبيا.

بعد الموافقة البرلمانية على مشروع القانون الذي سمح للقوات المسلحة التركية بالانتشار في ليبيا، أدلى الرئيس أردوغان بتصريحات قال فيها: «ستكون في ليبيا فرق مختلفة كقوة معارضة تابعة لنا». تنفي الشركة أي مزاعم حول تدريبها أو تنظيمها أي أنشطة داخل أو خارج سورية حتى الآن، غير أن وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية المعروفة بقربها من إدارة بوتين زعمت مؤخراً أن فرق صادات من تولى مهمة نقل مقاتلي الجيش السوري الحر إلى ليبيا. كانت شركة صادات دخلت مؤخرا إلى أجندة ألمانيا أيضًا. فقد بادر بعض النواب من الحزب اليساري، وعلى رأسهم علا جيلبك وأندريه هان وغوكاي أكبولوت، إلى تقديم استجواب للحكومة حول أنشطة شركة صادات في ألمانيا، وذلك ضمن الاستجواب الذي قدموه حول الأشخاص الذين قاموا بمهمة حراسة الرئيس أردوغان أثناء زيارته إلى ألمانيا لافتتاح مسجد في كولونيا في 30 سبتمبر 2018.

ووفقًا للنائب السابق في حزب الشعب الجمهوري المعارض فكري ساغلار، فإن شباب حزب العدالة والتنمية الحاكم، وما يُعرف بـجمعية الغرف العثمانية، أو فروع الشباب، يلتحقون بمخيمات سرية تنظمها شركة صادات، وهو ما يشكل نواة لتشكيل ميليشيات خاصة بأردوغان، وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم هو من وراء فكرة تنظيم الشباب التركي، والعمل على إقامة ميليشيات عسكرية خاصة بهم، بحسب الصحفي والكاتب التركي جان آتاقلي، وذلك بهدف المحافظة على وجود الحزب وقادته، والعمل على تحقيق توازنات سياسية وعسكرية في المجتمع التركي، من أجل القضاء على أي تحرك قد تقوم به قوى خفية داخل المجتمع التركي ضد حزب العدالة وزعيمه أردوغان. ويقول خبراء الأمن: إن أردوغان لا يمكن أن يكتفي بشركة صادات فقط، مرجحين تأسيسه كيانات ومنظمات سرية أخرى مشابهة، مؤكدين أنه يستعد لاستخدام هذه الكيانات في سبيل ضمان بقائه في السلطة بعدما أدرك استحالة ذلك بالطرق الديموقراطية، وأنه لن يتردد في إشعال حرب أهلية عند الضرورة لحماية مقعده، بينما ترى المعارضة التركية أن تأسيس أردوغان لميليشيات خاصة به، عائد إلى عدم ثقته في الجيش التركي، وخوفه من احتمالات أن تقوم شخصية عسكرية في الجيش بتنفيذ عملية انقلاب عسكرية، أو خشية بروز أي أقطاب قوية داخل الجيش.