العام 1505 ميلادية وبينما كان عبد الله جماع وعمارة دنقس يؤسسان مُلكاً في السلطنة الزرقاء على ظهور الخيل كما تروي كتب التاريخ التي درسناها في المرحلة الابتدائية، حينها كان الرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبوس قد اكتشف الأميركتين وأسس ملكاً هنالك على ظهور السفن في العام 1498 كما تروي كتب التاريخ التي درسناها في المرحلة الثانوية.

وحينما كان الوزير محمد ود عدلان يخاطب إسماعيل كامل باشا ابن محمد علي باشا خديوي مصر بعباراته الشهيرة: «لا يغرنَّك انتصارك على الجعليين والشايقية فنحن الملوك وهم الرعية» لم يكترث الباشا للتهديد وزحف حتى دانت له كل البلاد تحت الحكم التركي المصري كما تروي كتب التاريخ التي درسناها في المرحلة الابتدائية، حينها وفي ذات العام كان العالم الفرنسي شامبليون يكتشف حجر رشيد في مصر ويتمكن من فك طلاسم اللغة الهيروغلوفية كما تروي كتب التاريخ التي درسناها في المرحلة الثانوية، حينها كذلك وفي ذات العام عرف العالم نظرية الكهرومغناطيسية بعد أبحاث طويلة ونظرية الديناميكا الكهربائية على يد عالم الرياضيات الفرنسي أندريه ماري أمبير بينما كنا هنا نردد بيأسٍ مزمن: «لو كان التُرُك حوض رملة حوض الرملة تب ما بيروي».

وعندما نفحنا الإنجليز بكلية غردون التذكارية أواخر العام 1902 كانت جامعة كامبردج قد تأسست في العام 1209 (وأرجو أن لا تتشقلب الأرقام) فالفارق يقارب السبعمائة عام.

قبلها كان الخليفة عبد الله قد حاول غزو مصر ودعا كذلك الملكة فكتوريا للإسلام والاستسلام وعرض عليها مكافأته لها بتزويجها من الأمير يونس ود الدكيم الذي عارض بعنف فكرة تزويجه من النصرانية.. حينها لم تكترث الملكة فكتوريا غير أنها أرسلت جحافل جيشها الذي اكتسح الخرطوم نهار صيف قائظ في الخامس والعشرين من أغسطس العام 1898 وهو ذات العام الذي اكتشفت فيه ماري كوري عنصر الراديوم المشع الذي نالت بأبحاثها فيه جائزة نوبل في الكيمياء وهو ذات العنصر الذي قتلها فيما بعد نتيجة تأثرها بمرض اللوكيميا الذي تسببت فيه الإشعاعات المنبعثة من الراديوم.

وحينما سقطت الدولة المهدية أول دولة سودانية مستقلة سقطت بفعل الخلافات في معركة كرري الذي وثقها شاعرنا قبل أن يستوثق من حقائق التاريخ فيقول: «كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية، خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية».. نعم كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية تجمعوا من أربعة وأربعين قبيلة سودانية نهار الجمعة ذوداً عن الوطن لكنهم لم يشتتوا كتل الغزاة بل حصدتهم الآلة العسكرية للجيش الغازي.. وسقطت الدولة المهدية.. ومات الخليفة بعدها في أم دبيكرات حين استقبل القبلة و»لزم الفروة» في بسالة نادرة لكنها تنم عن يأس مزمن جعل الخليفة ينتظر حتفه باستسلام مكبلاً بالهزيمة الثقيلة التي تكبدتها جيوش الدولة المهدية.

وهكذا ولأنّ النتائج بمقدماتها يتقدم الآخرون.. ونتأخر.. مات الخليفة وانهارت الدولة المهدية ولا تزال جذوة الصراع مشتعلة بمكوناتها الإثنية التاريخية ذاتها حتى لحظة كتابة هذه السطور. ليس الاصطراع بين أولاد البحر والغرب فحسب كما هو في الدولة المهدية، لكنه صراع إثني ممتد على طول البلاد وعرضها.

  • أكاديمي وكاتب صحفي من السودان