ليس ثمّة شك في أنّ مساحة الرقعة الجمالية والوعي بأهمية الثقافة آخذة في التمدُّد والتوسّع، وبدا واضحاً أنّ الحراك الثقافي -الذي استتبعه- عدد من القرارات المهمّة والمتمثّلة في إنشاء إحدى عشرة هيئة في حقول وتخصصات مختلفة، بدا واضحاً أنّ للتلقي والأصداء المُصاحبة لهذه الأخبار أثراً جماليّاً وعاطفيّاً لدى غالبية المجتمع، ممّن يؤمنون بقيمة الفنون في الارتقاء بالذائقة وتهذيبها وتشذيب الأنفُس من غلواء الأفكار المتشدّدة التي كانت تنظر لتلك الفنون بكثير من الريبية والتوجّس.

والأجمل أنّ وزارة الثقافة، بحزمة قراراتها المدروسة في استحداث مبادرات وهيئات، جميعها تصبُّ في صالح الثقافة والفنون والوعي المجتمعي، استطاعت أن تُخلِّص أغلب الممانعين من هيمنة النظرة المستريبة من الفنون ومن ثم تقضي -بوعي عميق بدور الفن والثقافة- على نزعة الارتياب التي كانت ترافق كلّ حدث فنّي أو ثقافي في أي حقل من حقوله وروافده المتنوعة سواء المسرح أو الموسيقى أو السينما.

الآن مع هذا الانفتاح على مساحات وعي جديدة خلاّقة للثقافة والفنون نشهد حالة تنوير وانبثاق ثقافي يبعث على الأمل والتفاؤل، وأننا مقبلون على مرحلة لتخصيب أرض فكرنا المجتمعي ووعينا المواطني بعد أن عانينا ردحاً من الزمن من ممانعات مجتمعية لم تكن صائبة ولا خادمة لأفراد المجتمع، بل كانت عائقاً وحاجباً لبزوغ وانتشار هالات النور الفكري والمعرفي، هذه الهالات كانت كفيلة بصوغ مجتمع أكثر وعياً وتحضُّراً وتسامحاً، وعلى قدر عال من التماسك والالتزام وبناء شخصية سليمة غير مثقلة بأفكار وأيديولجيات متطرفة تسيّجه داخل سجن الدوغمائية والكراهية.

كانت الفنون بشتى فروعها مصدراً للإلهام وإرهاف الذائقة وتمتين حصانة الفرد بالوعي والانفتاح على الآخر وتقبُّله باعتبارها مهذّبة لوجدانه وأفكاره الإبداعية الخلاّقة.

بالأمس شهدنا خبر تعيين رئيس تنفيذي لهيئة المسرح، وهو خبر يضاعف من البهجة والحبور بشكل أكبر من بقية التعيينات التي لا تقل أهمية، ولكن ربما لأن المسرح «أبو الفنون»، يشكّل أهم الدعامات الحقيقية للدول في استنهاض فكرها وبث قيمها وإرثها الحضاري، فالمسرح -كان وما زال- إحدى أقوى وأنجع الأدوات الفكرية القادرة على صياغة مجتمع واعٍ متسائل وباحث عن قيم الخير والحق والجمال، من خلال ما يحتضنه من أعمال مسرحية تستنبت الأحداث وتمسرحها عبر أحداث تتصاعد دراميّاً لِتُحدِثَ الدهشة والتنوير والرؤى الإيجابية لدى المشاهد، وبالتالي نتيقّن بعدها أن المسرح نجح في إيجاد جمهوره الخاص والحصيف القادر على تلقّي الرؤى والأفكار الملهمة ليؤكّد أنّه «أي المسرح» أبو الفنون فعلاً وأنه أداة التنوير الأنجع والأركن والأكثر مضاءً وتأثيراً.