نحن اليوم مع كاتبين من أمريكا اللاتينية: إيزابيل الليندي وخوان رولفو، وكلاهما أشهر من نار على علَم، كما تقول أمّنا: الخنساء السلمية.

وُلدت إيزابيل الليندي في الحرب العالمية الثانية، وأنا أستعرض هذه النقاط من كتاب الزميل عبدالله الزماي «شهرزاد أمريكا اللاتينية»، وهذه الكاتبة تتباهى بأنها تبدو جميلة دائماً بالنسبة إلى عمرها، وترى أنها لن تزال بنجوَة من الخرَف، وتعود بالذاكرة إلى أنها عاشت في ذلك النوع من العائلات التي يجمعها زواج فاشل، فوالدها خرج ذات يوم ليشتري السجائر ولم يعُد، وعاشت هذه الروائية طفولتها في بيت أجدادها، منزل يتردد عليه أشخاص غريبون، وأشباح خيّرة، وفيه جدّة كبيرة تتخاطر مع أرواح الموتى، في عائلة لا تعد السعادة فيها أمراً ذا بال، ولا يمكن لأي من أسلافها الماضين أن يخمّن أنه سيأتي زمان على البشر يتلفون فيه ثرواتهم على عقاقير التغلب على التعاسة.

ذات يوم أصيبت باولا (ابنة إيزابيل) بمرض نادر، وهوت في غيبوبة عميقة، ولازمها المرض حتى تُوفيَت، ووجدت الروائية التشيلية أن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبقي عليها سليمة العقل، فقد كان حزنها جارفاً، ورحلة التطهر من الأسى جحيمية طويلة، كالمشي في نفق مظلم، وكانت تخرج من أساها بالكتابة عن مأساة وفاة قبل أوانها، وقد كان ذلك احتفالها الخاص بالحياة، باختصار: لقد عالجت الليندي نفسها بالكتابة.

تتعامل الليندي مع الرواية على أنها سيرة ذاتية عن الحب والعنف والموت والخلاص، عن آباء غائبين ونساء حديديات، عن القدرة على البقاء، وكتابتها موجز عن حياتها وعملها، تتمسك بالحقيقة المتخيلة، وتشبّه نفسها بلصوص إدواردو غاليانو، فهي مؤلفة منحت زمانها للقصص، وراحت تروي حكايات طفولتها الغريبة، وتتحدث عن عائلتها الغريبة وأقاربها الغريبي الأطوار، وقدّمت لنفسها تعريفاً من خلال الأدب، وابتكرت نفسها الجامحة المتوهجة في أثناء تخلقها في الكتابة.

وتَعرِف هذه الكاتبةُ أنه لا شيء يغني روحها أكثر من الكِتابة، بل هي إكسيرها الخاص الذي تحافظ به على الشباب، ويجعلها قوية وجبارة، كما أنها تستطيع تحويل الخيالات والأفكار إلى حقائق، بل إن الحياة نفسها لا تكون حقيقية بالنسبة إليها إلا بعد ما تكتبها، فما تسهو عنه أقلام الكتّاب في نظرها تمحوه رياح النسيان، فالكتابة فحص صامت للدوافع والأفكار، وهي رحلة في كهوف الذاكرة المظلمة والروح، والرواية كالذاكرة التي تنتقل من إلهام إلى إلهام.

أما خوان رولفو، وما أدراك ما خوان رولفو، فهو طليعة الواقعية الجديدة المكسيكية، وطليعة الفولكلورية، والأدب المعبر عن السكان الأصليين، وهو لا يرى أنه روائي محترف، بل مجرد هاوٍ يكتب عندما تأتيه الهواية، ولكنه على رغم ذلك، كما نقرأ في مقدمة طبعة دار «أثر» لروايته (بيدرو بارامو) التي ترجمها صالح علماني، مصنّف على ألسنة كبار الروائيين والنقاد اللاتينيين بأنه من عباقرة السرد، مع أن نتاجه قليل وإنتاجه الإبداعي يسير.

لم يعبأ رولفو بالشهرة، ولم يكن يرد على رسائل معجبيه، كما أنه ظل يمقت الحياة الاجتماعية، وكان من السهل على أي عابر أن يراه منزوياً في مقهى «تشوفاس»، وحيداً، دائماً، صامتاً.

قد تبدو رواية «بيدرو بارامو» سهلة إذا كان تحليلها مقصوراً على حدود بيدرو وسوزانا، ولكن مع التقدم في العمل نجد أننا نتنقل من عالم إلى آخر، ونصل إلى حكاية عابرة للأجيال والأذواق الأدبية، حكاية ذات شاعرية كونية فخمة ومبهمة.

إن رولفو، كما يقول علي البمبي، يعد إحدى العلامات المضيئة في تاريخ القصة والرواية بأمريكا اللاتينية، على الرغم من أعماله المحدودة، وهو وإن كان غير مجدد في نظر البعض إلا أنه الأكثر حنكة وبراعة من بين الكُتّاب المبكرين في القرن الماضي؛ فهو يتناول ما يعرِف ويحسّ به من خلال اتصاله المباشر والعميق بالأشياء الجوهرية: الحب والموت والأمل والفقر والعنف، وهو ذلك الأديب الذي يبكي أرضه القاحلة التي كانت مروجاً في الماضي، وحولتها الحروب والثورات إلى مقابر ينعق فوقها البوم، وبمثله استطاع الأدب اللاتيني أن يتجاوز جغرافيته المحدودة، ويقتحم آفاقاً غير معهودة.

عبدالله الزماي
صالح علماني