دخلا الجامعة سوياً وتخرجا سوياً وعينا في إدارة واحدة ولكن زميله كان أكثر حركة وتواصلاً مع المسؤولين، كان يلبي الطلبات وينفذ الأوامر في إذعان ودونما تذمرٍ أو رفض، لذا ترقى بسهولة وسرعة.. بينما ظل هو ينظر إلى الأشياء نظرة عملية فحسب. فهو يؤدي دوره العملي بإتقان وانضباط دونما تزلف أو مداراة، فهو يأتي قبل الدوام ويخرج بعد نهايته ولا يترك على مكتبه شيئاً متأخراً أو مؤجلاً، ومرت الأيام وهو على هذا المنوال وهذه الحالة. ولكن مع حرصه وانضباطه واجتهاده إلا أن بعض رفاقه وزملائه الذين هم أقل منه ذكاء ومقدرة وخبرة تأتيهم الترقيات والإغداق والمكافآت، بينما ظل نصيبه منها النزر والبسيط.. وكان يعرف أنه لن يتقدم سريعاً بسبب هذا الانضباط وبسبب ترفعه عن التقرب بتلك الوسائل والتصرفات التي يرى أنها مزرية وأنه فوقها.

إذ كان يرى ذلك نقصاً وازدراءً بحقه فهو يؤدي دوره المهني بما يرضي ضميره وما يرضي واجب العمل.. ولقد نصحه الكثير من أصدقائه ومحبيه وقالوا: إنما أنت توقف حركة سيرك الوظيفي بمثاليتك هذه!! ولكنه كان عنيداً متصلباً، فذلك في رأيه يتنافى ويتصادم مع أخلاق المهنة وشرفها.. فالمهنة عنده إنجازٌ وانضباطٌ ومهارة وأداءٌ بإخلاص، وما عدا هذا فهو زيف وخداع.. وظل على حالته هذه كساعة حائط لا تتقدم ولا تتأخر وإنما تظل تدور عقاربها بانضباط أخرسٍ صامتٍ رتيب داخل صندوقها المغلق العتيق. ومع ذلك كله كان يشعر بالرضا والغبطة والابتهاج ونقاء الضمير.