لم أكن أعرف من الأدب العماني إلا قصائد وكتابات "سيف الرحبي"، ومن المطبوعات التي تصدر في عمان، مجلة "نزوي" والتي يديرها أيضاً سيف الرحبي، ومؤلفات عديدة أراها في أجنحة سلطنة عمان في معارض الكتب العربية وكلها مؤلفات يغلب عليها الآداب والسير والتاريخ العماني، الأدب الحديث قليل، ولم اقرأ كتابات عن تراث عمان الشعبي والفكري والأدبي، إلا عبر كتابات كاتبين مصريين هما "يوسف الشاروني" و"زكي خورشيد" وقد بذلا وبصدق، الكثير من الجهد، في التعريف بالتراث، والأدب العماني.

خارج ذلك لا شيء عن عمان، حتى فازت رواية "سيدات القمر" للمبدعة العمانية "جوخة الحارثي"، والتي صدرت نسختها العربية عن "دار الآداب"، قبل عشر سنوات، دون أن تحصد أي جائزة، ولولا فوزها بجائز "البوكر"، بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية لظلت طبعة نسختها العربية تعرض مع بقية رواياتها ومجموعاتها القصصية الأخرى من دون أن تلفت نظر نقاد، يصابون بالحول تجاه كل إبداع يخرج من دولة خليجية!

كتبت هذه الرواية بلغة مشرقة وحوار سلس، وفيها تلاعب مدهش في التواريخ والوقائع، وبوح وشعر، وإطلالة شاعرية عجيبة على عمان الحاضر والماضي. إرهاصات كثيرة كنت تلمحها وأنت تبحر مع شخوص وأحداث الرواية، حتى استقرت وازدهرت عمان في كافة مناحي الحياة على الوجه الذي رأيناه مع بداية السبعينيات الميلادية وحتى الآن.

النصف قرن الأخير شهد انطلاقة عمان الجديدة، انطلاقة كانت متوازنة، فلم تغفل الماضي القريب والبعيد، لكنها جعلته نصب عينيها، لتأخذ منه العبر والدروس، لذلك رأينا الاهتمام واضحاً في عديد من الكتب التي صدرت من عمان ومن خارجها، ولكتاب عمانيين وعرب وأجانب، عن العادات والتقاليد والأساطير.

رواية "جوخة الحارثي" تبحر في هذا المنطق ببسط عادات الإنسان العماني في الزواج والملبس والعلاج، حتى العبودية ومآسيها كانت موجودة عبر "ظريفة وسنجر وعنكبوتة والتاجر سليمان".. هذه الرواية ساهمت، عبر عديد من الدراسات والمقالات والأخبار التي نشرت عنها وحولها، في تسليط الأضواء على بلاد ظلت بالنسبة للكثير من الذين لا يعرفونها أشبه باللغز، وهو لغز لا يتلاءم مع تاريخها وماضيها وتراثها الغني، وإنسانها العملي المتحضر القليل الكلام، الكثير الأفعال أو الأعمال أو النشاط. هذه الخصائص، رضينا بها أم لم نرضَ، جعلت هذا البلد ينمو بهدوء وبخطوات واثقة، كان من نتائجها أمية متدنية، ونهضة عمرانية واقتصادية واجتماعية وعلمية، ومواطن طموح، استطاع بفضل الخطط الطموحة أن يضع بلاده في المكان الذي تستحق.. عمان في نصف قرن، غيرها تماماً قبل نصف قرن!