ومن هنا تكمن أهمية رقابة الإنسان على ذاته، وأنها من أسباب الاهتداء إلى طريق الرشاد، فلا ينبغي للمسلم أن يظن أنه متروك سدى، فالرقابة من الأسباب المعينة إلى إنصاف الخلق وإعطاء كل ذي حق حقه

لم يُخلق الإنسان ليعيش سدى كيف شاء، يصنع ما بدا له، ويترك ما شاء بلا رقابة ولا حدٍّ يقف عنده، بل هو مُكلّفٌ بعباداتٍ لله تلزمه أو تندب في حقه، ومُلزمٌ بحقوقٍ لعباد الله يلزمه أن يقوم بها، وعليه أن يُراقب أداءه في هذه الأمور، فإذا رأى فيه وفاء بالواجب حافظ عليه، والتمس الرّقي إلى الكمال، وحَمِدَ الله الذي وفقه، وإذا رأى قصوراً عمل على تداركه، ومن هنا تكمن أهمية رقابة الإنسان على ذاته، وأنها من أسباب الاهتداء إلى طريق الرشاد، فلا ينبغي للمسلم أن يظن أنه متروك سدى، فالرقابة من الأسباب المعينة إلى إنصاف الخلق وإعطاء كل ذي حق حقه، وللرقابة على الذات صور منها:

أولاً: رقابة الإنسان على ذاته فيما يتعلق بأداء حقوق الله تعالى الواجب منها والمندوب، وفي اجتناب ما نهى الله عنه، ومن أهمية هذه المراقبة أن مُهملها إنما خَدَعَ نفسه وغرّته الأماني الكاذبة، فتخيّل أنه بمَنجاةٍ من تبعات أعماله السيئة، وغرّه ستر الله له وحلمه عنه، وتجاهل أن الله رقيبٌ عليه، ولم يتّعظ بالآيات المنوهة برقابة الله على خلقه، كقوله تعالى: (وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً)، (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ)، فمن آمن بمضمون هذه الآيات وخضعت نفسُها لها، وأذعن لها تمام الإذعان لم يَخْلُ من مراقبةٍ على سلوكه، وضبطٍ لنفسه، ولم تُجسِّره خلوةٌ اختلاها على انتهاك حرمات الله، بل يكون كما قال الشاعر:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْماً فَلا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ

فَلا تحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى: عَلَيْهِ يَغِيبُ

ثانياً: رقابة الإنسان على ذاته فيما يتعلّق بالدولة، ومعلومٌ أن الإنسان عليه حقوقٌ لدولته منها ما هو للحاكم من طاعةٍ وإخلاصٍ، ومنها أمورٌ عامةٌ تتعلّق بما كان ينبغي أن ينجزه في سبيل الإسهام في تقوية الدولة مادياً ومعنوياً، وأداء هذه الحقوق يجب أن يكون الإنسان فيها رقيباً على ذاته، مُنصفاً من نفسه، مُدركاً أن هيبة السلطة كفيلةٌ بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وإذا تحققت المصالح واندفعت المفاسد فهو من المستفيدين من ذلك، والعكس بالعكس فإذا اختلّت المصالح كان مُتضرّراً، ولن يكون بمنجاةٍ من الآثار السلبية لذلك، ومع أن الدولة من وظائفها الرقابة على الأمن وأوضاع الناس إلا أن اللائق بالمواطن أن يُراقب نفسه، وأن يتجنّب كل ما من شأنه تعكير الصفو، والمساس بالنظام، ولا تقتصر مراقبة الذات في ذلك على ترك المجاهرة بالعصيان والشغب، بل تشمل أن لا يتلاعب وأن لا يستهين بقوانين الدولة وأنظمتها ولو في السرّ، وقد أعجب عمر رضي الله عنه بالجارية التي سمعها بالليل تحاور أمها في جوف الليل في شأن مزج اللبن المعروض للبيع بالماء قالت الأم: امذقيه بالماء فقالت الجارية: يا أمتاه وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت وما كان من عزمته؟ قالت إنه أمر منادياً فنادى لا يُشاب اللبن بالماء فقالت لها يا ابنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك في موضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية: والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، وإذا راقب الناس أنفسهم في هذا الجانب ساد الاستقرار والطمأنينة، وعاشوا على أحسن الأحوال، وكم عانت الأمة من متاعب سببها تصرّفات منفلتين لا يرون أن من الواجب عليهم محاسبة أنفسهم ومراجعتها في التقصير الحاصل في التزام الجماعة ومراعاة حقوقها.

ثالثاً: الرقابة على الذات فيما يتعلق بحقوق الوالدين والأسرة والقرابة والأصدقاء، فينبغي أن يعلم الإنسان أن من معايير الفضل مراقبة الذات في أداء حقوق الناس عموماً وخصوصاً أهل الخصوصيات كالوالدين وأفراد الأسرة، ولو أن الناس راقبوا أنفسهم في هذا الصدد، وأُعطي كل ذي حق من هؤلاء حقه، لخفّت الخصومات، وانحسرت القطيعة، وشاع الوئام، وعمرت بيوت كثيرة خرّبها التطفيف في مكاييل الحقوق، ووصلت الأرحام، وطبيعة الناس من أن فيهم الصالح والطالح تقتضي أن لا تعمّ هذه الصورة المثالية، لكن المسلم عليه أن لا يُرشّح نفسه لتكثير سواد المقصرين، والكريم النبيل من يتسامى عن الحضيض ويحاسب نفسه على التقصير الحاصل منه، ولا يفتعل لها الأعذار الواهية للتملّص من أخطائه، بل يستفيد منها أن يتحاشى الوقوع في أمثالها مستقبلاً، ولقد صدق من قال:

مَا عَاتَبَ الْمَرْءَ الْكَرِيمَ كنَفسِهِ ... وَالمَرءُ يُصلِحُهُ الجَليسُ الصالِحُ