عزّز الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - طيب الله ثراه - العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية في لقائه التاريخي مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على متن البارجة الأميركية «كوينسي» في قناة السويس 14 فبراير العام 1945م، وذلك بعد مرور 12 عاماً من توقيع اتفاقية تعاون بين البلدين العام 1933م، لتنتقل العلاقات في اللقاء التاريخي لمرحلة التحالف الاستراتيجي على الأصعدة والمجالات كافة، مما يدل على عمق السياسة الخارجية للمملكة وارتكازها على المبادئ قبل المصالح، والتي تهدف من خلالها خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

خارطة طريق

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن د. نبيل ميخائيل لـ»الرياض»: في خضم الأحداث التي شملت المجهود العسكري والحربي والدبلوماسي لإنهاء الحرب العالمية الثانية التقى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بالملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - على متن البارجة الحربية الأميركية كوينسي العام 1945م، وكان لقاء مهماً؛ لأنه مهد الطريق لخطوات دبلوماسية حولت فيها أميركا كزعيمة لدول الحلفاء، والتي كانت تواجه النازية والفاشية في أوروبا ذلك الوقت، لرسم معالم نظام دولي جديد من العلاقات الدولية بين الأمم، فكانت رؤية الولايات المتحدة الأميركية أنه من الضروري أن تستعين بالمملكة، مبيناً أن النفط لم يكن هو الأساس في هذه العلاقة عند ذلك الوقت، لكن كان نوعاً من الشراكة الاستراتيجية، وذلك عن ما هي الدول التي تستطيع أميركا التعاون معها بعد هزيمة الأنظمة الشمولية في أوروبا، من أجل إرساء معالم وأسس نظام دولي جديد من العلاقات الدولية، مضيفاً أن الرئيس الأميركي عند عودته من لقاء الملك عبدالعزيز قال للحكومة والشعب الأميركي في دقائق معدودة: تعلمت من الملك السعودي أكثر مما تعلمت من تبادل عشرات الخطابات، وذلك حيال قضية اليهود في فلسطين، ورفض الملك عبدالعزيز فكرة الوجود اليهودي في فلسطين، وبعد ذلك اللقاء الشهير بشهرين توفي الرئيس الأميركي إثر تدهور صحته، ولكن هذا اللقاء ترك انطباعاً إيجابياً على شخصية الرئيس الأميركي بضرورة أن تتعامل أميركا مع المملكة وقادتها بأسلوب جاد ومهم؛ لأن فيها منفعة لكل البشرية، خاصةً أن اللقاء نجح لرسم خارطة طريق التحالفات في الشرق الأوسط.

أهمية كبيرة

وأوضح د. نبيل ميخائيل أن أميركا تنظر إلى أهمية كبيرة لعلاقتها مع المملكة نظراً لوجود مصالح مشتركة ما بين البلدين، فهما يعملان على دعم الاقتصاد الدولي، وعلى تسديد أسواق الطاقة، وعلى إقامة نوع من الاستقرار في العلاقات الدولية، وكذلك كلا البلدين يواجهان الحركات الدينية المتطرفة، والدول التي تسعى لنشر الفوضى في المنطقة، والتي تسعى هذه الدول إلى إقامة نوع من السياسة المتطرفة، كما يعملان على حل النزاع العربي - الإسرائيلي لحماية الشعب الفلسطيني لإعادة كافة حقوقه، كما يعملان على تأمين منطقة الخليج وحمايتها، إضافة إلى أن البلدين يعملان على إقامة نوع من التآلف ما بين الشرق والغرب والأديان المختلفة، وجميعها مصالح مشتركة مهمة تعمل الرياض وواشنطن على تطويرها، وأن تكون النتائج المترتبة من هذا التعاون نتائج إيجابية لتخدم كافة الدول في أنحاء العالم، مُشدداً على أن العلاقات السعودية - الأميركية حالياً أكثر من مهمة وأكثر من إيجابية وتشهد تطوراً كبيراً جداً، وإدارة ترمب والحكومة الأميركية تثمنان وتقدران بشكل كبير مجهودات ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في ظل دعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أن هذه العلاقات تشمل رؤية قوية وهي رؤية السعودية 2030، والتي تدعمها الحكومة الأميركية ويؤيدها الشعب الأميركي بكل أفراده، لافتاً إلى أن الشارع الأميركي يعيش حالياً قناعة بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب نجحت في ترسيخ هذه العلاقة بين البلدين الشقيقين الصديقين.

لم تهزها الظروف

وأكد الباحث الأكاديمي السوري د. محمد الشاكر على أن عودة الأساس التاريخي للتحالف بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية إلى المحاولات الأولى لتأسيس المملكة العام 1928م، حيث سعى الملك المؤسس عبدالعزيز - طيب الله ثراه - إلى الحصول على اعتراف دولي بالمملكة كدولة مستقلة ذات سيادة، وهو ما تحقق في العام 1940م حين اعترفت الولايات المتحدة رسمياً بالمملكة العربية السعودية، وأقامت معها علاقات دبلوماسية، وقال: إلا أنّ هذه العلاقات لم ترق إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتبادلة إلاّ في العام 1945م بعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملك المؤسس والرئيس فرانكلين روزفلت على متن البارجة الأميركية «كوينسي» في قناة السويس في الرابع عشر من فبراير من العام ذاته، وذلك بعد أن تصدرت المملكة لائحة احتياطي النفط في العالم، ما جعلها قوة اقتصادية تتوق أية دولة للتحالف معها، الأمر الذي وضعها في مقدمة الشركاء الحيويين للولايات المتحدة، وبالرغم من هذا التحالف الاستراتيجي بين البلدين إلاّ أنّ سياسات المملكة ظلت لا تحيد عن ثوابتها المتمثلة بالحفاظ على الثوابت التاريخية لسياستها وخصوصيتها في محيطها الإسلامي والعربي، الأمر الذي أظهر بعض العلاقات الندية بين البلدين، والتي ظهرت على شكل خلافات عابرة في العديد من المراحل المفصلية من عمر المنطقة العربية، مع ذلك ظلت هذه الاختلافات مجرد اختلافات طارئة، أثبتت من خلالها المملكة خصوصيتها وسيادة قرارها في إطار أولويات موقعها الإقليمي سواء في محيطها العربي أو الإسلامي، وبالتالي فإن هذه الاختلافات بين البلدين لم تؤثر على البعد الاستراتيجي للحليفين التاريخيين.

صداقة رائعة

وذكر د. الشاكر أن ما يؤكد ذلك الموقف التاريخي للمملكة إبان حرب أكتوبر العام 1973م، عندما أعلنت السعودية حظر تصدير النفط إلى الغرب، فكان السلاح الذي استعملته المملكة في تغيير مجرى الحرب، كما أن الخلافات التي واجهتها المملكة خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، خصوصاً بعد توقيع إدارة أوباما على الاتفاق النووي مع إيران العام 2015م، الأمر الذي زاد تعميق الخلافات بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية، التي رأت في الاتفاق دعماً اقتصادياً وسياسياً لدولة مارقة في الإقليم، تعمل على نشر الإرهاب والطائفية في محيطها العربي عبر ميليشيات خارج سلطة الدولة الوطنية التي توجد فيها، ما يشكل انتهاكاً صريحاً لمبدأ عدم التدخل في سيادات الدول الذي يعتبر من أهم مبادئ القانون الدولي، مضيفاً: «مع قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية عاد الدفء أكثر إلى العلاقات بين البلدين، إذ رحبت المملكة بسياسة ترمب الذي وضع على عاتقه منع التهديدات الإيرانية للمنطقة، ووضع حد للتغول الإيراني في محيطها عبر ميليشياتها الطائفية، وهو ما انعكس بشكل واضح على عودة العلاقات بين البلدين إلى وضعية التحالف، التي توجت إبان ولاية ترمب بالزيارة التاريخية لسمو ولي العهد محمد بن سلمان في 20 من مارس2017م، حيث شبه ترمب حينها العلاقات السعودية - الأميركية بـ(الصداقة الرائعة)، كما رحبت المملكة في 8 من مايو من العام ذاته بقرار ترمب القاضي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وبالتالي فإن تتبع سير العلاقات بين البلدين يشير إلى علاقات استراتيجية بين دولتين حليفتين استراتيجياً دون أن يعني ذلك غياباً لبعض التوترات كلما أصبح الأمر متعلقاً بسيادة المملكة ومصالحها الحيوية، ودورها كقوة مركزية في محيطها العربي والإقليمي».

تعقيد المواقف الدولية وتأجج الصراعات الإقليمية لم يؤثرا على علاقات البلدين

مصالح مشتركة

وأكد المحلل السياسي الأستاذ المساعد بجامعة أم القرى د. سعيد محمد الصباغ على أنه منذ اللقاء التاريخي الذي سجلته عدسات المصورين بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - على متن البارجة الأميركية والعلاقات السعودية - الأميركية قائمة على أسس متعددة ومتينة للدرجة التي أصبحت بموجبه العلاقة بين الرياض وواشنطن علاقات تحالف ومصالح مشتركة، وبمثابة النموذج الذي يُحتذى لإدارة علاقات تحالف استراتيجي بين بلدين كبيرين، ويبدو أن القواسم المشتركة التي تلامست بين الرئيس الديموقراطي والملك المؤسس لعبت دوراً مهماً لتعظيم دور البلدين في السياسة الخارجية للبلد الآخر، فالرئيس الأميركي كان يقود بلاده بحكمة وحنكة، يعادل حكمة ونجاح جورج واشنطن وإبراهام لينكولن في تعزيز المكونات الاقتصادية والسياسية والعسكرية للولايات المتحدة كي تتبوأ مكانتها العالمية زعيمة للعالم الحر، ومن ثم الدولة العظمى على مر التاريخ، وفي المقابل كان الملك عبدالعزيز يقود بلاده بحكمة ونجاح في تعزيز المكونات السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية كي تتبوأ مكانتها العالمية الرائدة في العالم الإسلامي، ومن ثم الدولة الإسلامية التي تحظى بهيبة ومكانة الزعامة، مضيفاً أنه لعلنا إذا تبصرنا في الأمر قليلاً لوجدنا أن الاكتشافات النفطية مع الصعود الأميركي العالمي لم تكن تقف وحدها وراء ثبات العلاقات بين البلدين وديمومتها على هذا النحو الفريد بين البلدين؛ فالمملكة بمساحتها القارية وموقعها الاستراتيجي وتموضعها السياسي ومكانتها الدينية في العالم الإسلامي ظلت تمثل ركائز أساسية للاستمرار، بل وقوة دفع للعلاقات بينهما على النحو الذي جعل البلدين ينجحان في اجتياز كل متغير طارئ سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، على الرغم من أن هذا المتغير كان بإمكانه الإطاحة بعلاقات الولايات المتحدة مع أي بلد آخر إلاّ المملكة.

قوة وثبات

وأوضح د. الصباغ أنه لن يغفل التاريخ مثلاً، كما لن ينسى قراؤه أيضاً ذلك الموقف التاريخي للملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - من الصراع العربي - الإسرائيلي واستخدامه المؤثر بل والموجع لسلاح النفط، بينما لن ينسى العالم هجمات سبتمبر 2001م التي نقلت السلوك الأميركي إلى مربع الخيارات الصعبة مع العالم الإسلامي إلاّ مع المملكة، نظراً لأن العلاقات بين البلدين ما كانت تسمح لأن يؤثر أي طارئ على متانتها وقوتها، لقد ضرب البلدان مثالاً يحتذى في القيادة المشتركة لمكافحة التغلغل الشيوعي في العالم، ومقاومة الغزو السوفيتي لأفغانستان؛ بلغ الأمر منتهاه ليس بانسحاب الغزاة من ذلك البلد المسلم، بل بانهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي، وعلى الرغم من ذلك كم من موقف سجله التاريخ للرياض مفاده أن التحالف مع الولايات المتحدة لا يأتي على حساب مواقفها والتزاماتها الإسلامية والعربية، عندما رفضت الضربات الانتقامية التي شنتها القوات الأميركية على طالبان في نهاية العام 2001م، كما رفضت أيضاً المشاركة في الغزو الأنغلو أميركي للعراق 2003م، مشيراً إلى أن العلاقات الأميركية - السعودية تتوثق يوماً بعد يوم منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - على الرغم من تعقيد المواقف الدولية وتأجج الصراعات الإقليمية، ولسوف يثبت قادم الأيام حكمة وحنكة المملكة في قيادة علاقاتها الدولية بقوة وثبات بشكل عام ومع الولايات المتحدة بشكل خاص، على الرغم مما يثيره الحاقدون، كما لن تدع الولايات المتحدة المملكة عرضة لأي موقف يؤثر على مكانها ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي بل والدولي.

في عهد خادم الحرمين توثقت العلاقة بين البلدين أكثر وأكثر
الزيارة التاريخية لسمو ولي العهد ولقاؤه ترمب كشفا عن انسجام واضح
د. محمد الشاكر
د. سعيد الصباغ