حَكَتْ لي.. بعد سهرها ليلة طويلة تصارع الإنفلونزا وارتفاع حرارة أجساد أبنائها الصغار، قررت الذهاب بصغيرتها ذات الشهر ونصف إلى المستشفى، فاختارت مستشفى أهليًا ذائع الصيت والمستوى، لتذهب إليه بعدما تُوصِل ابنها إلى المدرسة، تحمل قلبها الصغير إلى الطوارئ.. كل ما تريده إعطاؤها نسبة موزونة من خافض الحرارة، تخبرهم باختصار (صغيرتي حرارتها مرتفعة، انتقلت إليها منا الإنفلونزا)، لتأتي الطبيبة المناوبة وترى أن هذه رضيعة ولا يمكن إعطاؤها أي دواء، ولن يُعرف سبب الحرارة إلا بأخذ تحليل دم! وتُضِيّف: وهذا العمر ندخله التنويم مباشرة.. تحاول الأم تهدئة نفسها أولًا وتخفيف حدّة الموضوع: لكني أخبرتكم أن جميع أفراد البيت مصابون بالإنفلونزا والعدوى وصلت إليها.. لترد الطبيبة المناوبة: لا يمكن أن نعرف السبب دون التحليل، بداية ترفض الأم، ليأتيها الرد: أنتِ من يتحمل مسؤولية الصغيرة إن أصابها مكروه!، لتخاف الأم وتوافق على إجراء التحليل الذي كلّفها قرابة (1000 ريال)، وعند الدفع تسأل الممرضة كالمفجوعة وكأنها تريد من الأم أن تتراجع عن موافقتها: ليس لديك تأمين؟! والأدهى من ذلك.. بعد دفع المبلغ تأتي الممرضة بخافض الحرارة للرضيعة! وبعد قرابة الساعتين تُقبِلُ الدكتورة باسمة النتائج سليمة، والموضوع انفلونزا عادية!!

لن أقول: ما دامت الطفلة في الطوارئ ولها حق البقاء لمدة 4 ساعات -كما أخبرتهم الطبيبة-، لماذا لم تعطَ خافض الحرارة أولًا، وبعد انتظار ساعة يتم الانتقال لمرحلة أعلى إذا لم يُظهِر الخافض أيّ تحسن.. لكن لا أظن أحدًا يجهل لماذا حدث هذا السيناريو وهذه الأحداث المتكررة في معظم المستشفيات الأهلية عندما تتعامل مع حالة المرضى وفقًا لاستغلال التأمين لا ما تقتضيه الحالة الصحية الواقعة بين يديها.

لقد وُضِعَ التأمين الصحيّ من أجل مساندة المرضى، وتخفيف تكاليف العلاج التي قد لا يستطيعون تحمّلها، لكن استغلال بعض الأطباء للتأمين واعتباره جزءًا من المكسب المادي يصور لنا تهاون الطبيب بشرف مهنته التي يعمل بها، ليتحول من طبيب يعالج المرضى إلى تاجر يتعامل مع صفقات، مُقَدِمًا مكسبه المادي على حساب المريض واستغلال ضعفه في بعض الحالات العلاجية، كطلب الأشعة والتحاليل في غير حاجتها، وهذا النوع من الاستغلال يُظهِر عدم نزاهة الطبيب، وعدم تحلّيه بالأمانة الطبية، ولن نقول لماذا وافق المريض!، فالمريض في حالة ضعف يبحث عن أي خيط يربطه بالشفاء.

إن الأمانة الطبية، والنظر في مصلحة المريض هي مطلب أساسي من أجل تحقيق الأهداف الطبية والصحية التي تتطلب تعاونًا وتكاتفًا من جميع الجهات المعنية بعيدًا عن المصلحة الذاتية، فعلاج المريض والاهتمام بصحته وشفائه هي أولى غايات المجتمع الطبي، وعلى ذلك نترقب من الأطباء الوسطية في التعامل مع أمر التأمين، لا أن يستغل على حساب المريض، فالأطباء يعملون من أجل خدمة المريض لا من أجل التكسب منه.