‪تبلورت فكرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية كمنظمة إقليمية وتجربة مميزة على الصعيدين العربي والدولي. ومثّلت التجربة فكرة تكاملية رائدة ومنطقية تواكب التطورّات الإقليمية والدولية، واستطاع مجلس التعاون، في غضون ذلك، أن يسير بخطوات ثابتة ومتقدّمة ومتزنة عزّزت العمل الخليجي المشترك.

 وتمكّن المجلس، بفضل الله تعالى، وبالحصافة المشهودة، والحكمة المعهودة لقادة دوله، والإرادة الصلبة للشعوب الخليجية، من تجاوز الأحداث والأزمات الصعبة كاحتلال دولة الكويت، ومحاصرة إفرازات ما يسمى "الربيع العربي" والتدخلات السافرة والمغرضة لإيران، وأخيرًا أزمة قطر، وهي في جملتها أحداث مؤلمة هدّدت الساحة الخليجية، لكنّ المجلس أثبت من خلالها صلابة عوده، وقدرته الفائقة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة، وإبعاد المنطقة عن مسارات الحروب والدمار‪ .‬

لقد وُفّق مجلس التعاون برجالات مخلصة وكفاءات عالية تعاقبت على رئاسة الأمانة العامة لمجلس التعاون، وقد جاء تعيين د. عبداللطيف راشد الزياني كخامس أمين عام لمجلس التعاون، ليكون أحد الرجال الذين عملوا بإخلاص وأمانة، وأسهموا في رفع لواء هذا المجلس العتيد في مختلف المحافل الإقليمية والدولية بنجاح يتلوه نجاح‪.‬

لقد تميز د. عبداللطيف الزياني بخبرات واسعة ومتنوعة امتدت من أكاديمية ساندهيرست البريطانية، ثم دراسة الدكتوراة في الولايات المتحدة، فضلًا عن عمق خبرته العسكرية والمدنية والسياسية، وتسخيرها في الارتقاء بعمل الأمانة العامة، وتعزيز مسيرة المجلس، ودفع العمل الخليجي المشترك إلى مستويات متقدّمة في مختلف المجالات، وتحمّل أعباء المسؤوليات في مرحلة من أشدّ مراحل المنطقة حرجًا، حيث عمل دون كلل أو توقف لمواجهة التحديات بحكمة ودراية، بعيدًا عن دبلوماسية التهوّر والانفعالات‪ .‬

إنّ المراقب للجهود التي بذلها الزياني، كأمين عام لمجلس التعاون، يلاحظ أنه طيلة سنوات عمله في هذا المنصب المرموق، تعامل برؤية جديدة، واجتهد في تفعيل آليات عمل الأمانة العامة دون الالتفات لما يتوارى خلف كثير من مواقف بعض الدول الأعضاء التي حاولت فرملة العمل الخليجي المشترك، بل شككت بفعاليته، وربما بجدوى وجود المجلس من الأساس. ومع ذلك تمكّن الزياني بخطابه المتزن من مواجهة التحديات بفعالية واقتدار‪ .

إن أي تقييم موضوعي للأحداث التي مر بها مجلس التعاون، لا بد أن يشير إلى الدور البنّاء الذي قام به الزياني وقيادته الأمانة العامة بخطى ثابتة، متجاوزًا كل الافتراءات والأباطيل التي سعت للنيْل من هذه المؤسسة الحيوية ومن أهدافها.

ولعل أقل ما يقال إنّ الزياني استطاع بواقعيته، وهدوئه المرن، وعزيمته الصلبة، أن يحافظ على هذه المسيرة المباركة، وأن يكون مؤثرًا وفاعلًا في دفعها نحو الاتجاه الذي رسمه المجلس الأعلى الذي يمثل قادة الدول الأعضاء بكل أمانة وكفاءة ومهنية واقتدار.

يغادر الزياني لتسلم مهمات منصبه الجديد وزيرًا لخارجية مملكة البحرين؛ هذا البلد الذي ما فتئ يعمل على رأب الصدع بين الأشقاء، ويمثل واحة أمن واستقرار. وفي مغادرته لمنصبه فإنّ الزياني يترك بصماته التي لن تمحى في الأمانة وآليات العمل فيها، ما أسهم في تماسك المجلس وصلابته وقدرته على تحمل المهمات والمسؤوليات ومواكبة الأحداث.

وإذ نودّع، نحن أبناء الخليج الأمين العام الزياني، فإننا نختزن له في ذاكرتنا أطيب المشاعر، ونُكبر فيه الجهود الخلاقة التي بذلها والإنجازات التي تحققت أيام رئاسته لأمانة المجلس، ونرجو أن يُوفق في منصبه الجديد الذي سيثريه، بلا ريب، بحكمته وحنكته وشجاعته. وفي الوقت نفسه فإننا واثقون بقدرات الأمين العام الجديد د. نايف الحجرف القادم من دولة الكويت ذات الخبرة المعروفة في دعم المسيرة الخليجية، وفي الحفاظ على البيت الجامع لأهل الخليج التوّاقين إلى الأمن والاستقرار وازدهار مجتمعاتهم، وسلام شعوب المنطقة بأسرها.

 

  • سفير ودبلوماسي سابق